■ بقلم: إسلام الكتاتني
وبينما نحن على هذه الحالة أمام قسم شرطة الدقي واصل البعض طريقه إلى ميدان التحرير والبعض الآخر بقى فى هذا المكان يستشرف ما الذى حدث وما هى آخر الأنباء، ولا سيما أن مبارك اتخذ قراره بقطع الاتصالات والإنترنت، فكنا منعزلين تماما عن العالم الخارجى وكأنما رجعنا إلى العصور الوسطى.. وكان هذا القرار يمثل غباءً سياسياً بامتياز، حيث أثار استياء الكثير من المصريين وشجعهم على النزول للشارع (عند فى عند)، تخیل عزیزی القارئ عزيزتى القارئة، لو أن مبارك لم يتخذ هذا القرار بقطع الاتصالات والإنترنت وتعامل مع هذا الحدث بشكل أكثر مرونة وليونة لا شك أن الموقف كان سيتغير كثيراً، وأن حجم المشاركة فى هذا اليوم كان بلا شك سيكون أقل بكثير، وهذا أعطى انطباعاً أن مبارك جد قلق وجد خائف، وأن هناك تخبطاً فى اتخاذ القرار السليم.. ولا شك أن عناد مبارك ساهم بشكل كبير فى تصاعد الأحداث وتدحرج الكرة فى صالح الثورة والثوار ..
وبينما نحن على هذه الحالة من الترقب والانتظار والقلق مفترشين الميدان أمام قسم شرطة الدقى لا ندرى ما الذى حدث فى میدان التحرير!! وبدأت خيوط الليل تتسلل رويدا رويداً حتى وصلنا إلى الساعة العاشرة مساء تذكرت أنى قد نسیت حقيبتى عند صيدلية ذلك الطبيب الصيدلى فى أحد الشوارع الجانبية من ميدان الجيزة، التى بها رأسمالى وأفكارى، فأخذت قرارى بالعودة إليه لاستلام حقيبتى وخاصة أنى شاركت فى هذا اليوم العظيم بمفردی بدون أى تنسيق مع أصدقاء لى أو أقرباء، كانوا سوف يساعدوننى فى الدخول إلى ميدان التحرير فى هذا الظلام الدامس الذى عم شارع الأوبرا المؤدى إلى ميدان التحرير، لأننى أعانى منذ مدة طويلة من ضعف الإبصار ليلا مما يعرف بمرض (العشاء الليلي) الذى يجعلنى لا أستطيع السير بمفردى خاصة بالليل لضعف الإبصار والرؤية، فقررت أن أرجع إلى ميدان الجيزة مرة أخرى لاستلام حقيبتى، ومشيت هذا الطريق الطويل سيراً على الأقدام مرة أخرى ..
وسرت فى هذا الطريق الطويل والسكون يخيم على كل الشوارع والأماكن فالمحلات التجارية كلها مغلقة وكذلك البيوت ولا يوجد أى أثر لأى إنسان تقابله ولو بالصدفة، كأنما تسير فى طريق موحش أو قرية مهجورة لا بشر فيها ولا صوت فيها ولا أثر لأى إنسان.
نعم سرت وحدى تماماً كأننى فى طريق مهجور تصاحبنى فيه رفقتى فى هذا الطريق الترقب والحذر أحيانا والقلق أحيانا أخرى، كان هؤلاء هم رفقائى فى هذا الطريق الطويل حتى وصلت إلى ذلك المكان الذى تركت فيه حقيبتى وحمدت الله أنى وجدته مفتوحاً، وفوجئت بذلك الطبيب مرة أخرى وقابلنى بترحاب وتهليل وكان يفتح التلفاز وسمعت معه آخر التطوارت التى حدثت فى ذلك اليوم، التى لم أكن على دراية بها أنا وكل المتظاهرين ممن شاركوا فى هذا اليوم نظراً لقطع الاتصالات والإنترنت عنا حيث كنا منعزلين تماماً عن العالم الخارجي، وأخيراً تسلمت حقيبتى ومضيت فى مسيرى نحو بيتى بعد أن شكرت ذلك الطبيب.
وفى البيت فتحت التلفاز لأسمع وأشاهد آخر التطورات تباینت فيها تغطية الأحداث لذلك اليوم التاريخى بين القنوات الفضائية، فتارة أسمع بقتل للمتظاهرين لأن هناك أحداثا للعنف قد مورست فى هذا اليوم، وأياً كان مرتكبها سواء أكانوا من الإخوان أو الثوار أو غيرهم فهى بلاشك مُدانة ومُجرمة وتسيء إلى سمعة ذلك اليوم التاريخى الذى حرص فيه غالبية المتظاهرين على سلميتهم وعدم الانجرار إلى أى أحداث عنف وشغب التى عرفتها فيما بعد، لأننى قصصت على مسامعكم ما رأيته وشاهدته بأم عينى ابتداء من نفق الهرم مرورا بميدان الجيزة ثم إلى قسم شرطة الدقى، ففى هذه المناطق لم أشهد أى أحداث عنف أو اشتباكات باستثناء التدافع بين المتظاهرين والكوردون الأمنى وإطلاق القنابل المسيلة للدموع والغاز والدخان (المسموح بها دوليا)، ولكننى تفاجأت بأن أحداث العنف قد وقعت فى أماكن أخرى مثل حرق أقسام الشرطة ومركبات وعربات الشرطة وسرقة بعض المولات والمحلات التجارية مثل كارفور وقتل المتظاهرين.. وعلى الجانب الآخر كانت هناك تغطية اتسمت كما يقول المثل بقاعدة (لا أرى.. لا أسمع.. لا أتكلم)، وهذه من الأخطاء الذى وقع فيها التليفزيون المصرى الذى يوحى للمشاهد بأن لا شىء حدث فى ذلك اليوم مثل تصوير لقطات لنهر النيل أمام ماسبيرو وغض الطرف عما يحدث من غلیان داخل البلاد...
وهناك قنوات أخرى وللأسف إقليمية كانت تنفخ فى الكير حتى نصل إلى مسلسل الفوضى وهو المطلوب إثباته بجر مصر إلى مخطط الشرق الأوسط الكبير.. وهذا يقودنا إلى أهمية دور وسائل الإعلام وضرورة التعامل معها على أرضية الوعى الكافى ومعرفة أجندة وتوجه كل قناة حتى لا يقع المشاهد والمواطن البسيط ولا حتى المثقف فى شراك توجه هذه القناة أو تلك، فليت الإشكالية فى تغطية الحدث أو الخبر مجرداً كما هو، ولكن الإشكالية فى كيفية تغطية الخبر وكيفية صياغة الخبر وكيفية تحليل الخبر، فينبغى علينا التعامل بحذر مع وسائل الإعلام حتى لا نقع فريسة فى براثن توجهاتهم غير البريئة تجاه المشهد المصرى.
إضافة إلى التعامل بحذر شديد مع السوشيال ميديا التى أصبحت للأسف الشديد المصدر الأسرع فى تلقى الأخبار عن الفضائيات، وهى بذلك تمثل قنابل موقوتة فى أذهان المتلقى والمشاهد والمستمع، والذى زاد الطين بلة عليها الذكاء الاصطناعى الذى يمثل ثورة غير مسبوقة فى عالم التكنولوجيا تستطيع من خلاله أن تثبت حقيقة ما أو تنفيها وتزيِّفها بشكل يخدع المشاهد والمتلقى والمستمع، فلا يستطع مهما أوتى من ذكاء وثقافة ووعى أن يعرف الحقيقى من المزيف..
وعرفت أيضاً أننى وبعد رجوعى للمنزل حدثت محاولة لسرقة المتحف المصرى الكبير الكائن بميدان التحرير لولا يقظة بعض المتظاهرين الذين استبسلوا فى الدفاع عنه لما يمثله ذلك المكان من رمزية ولما يحتويه من آثار مصرية لا تقدر بثمن شاهداً على عظمة مصر وحضارتها العريقة.
وأن محاولة سرقته والاعتداء عليه تمثل جريمة كبرى يستحق أن يقدم مرتكبوها إلى العدالة والمحاكمة، وهذه حادثة من حوادث عديدة كان الغرض منها جر مصر إلى مسلسل الفوضى أو السايكس بيكو الجديد لولا يقظة غالبية المتظاهرين (وليس كلهم) ونزول الجيش المصرى العظيم إلى الساحات والميادين ليحمى البلاد من شر قد أُريد بها.
ونستكمل فى الحلقة القادمة إن شاء الله لنسلط الضوء على شباب ثورة يناير .
أفاعى «الإخوان» (14) .. صالح عشماوى .. أحد مؤسسى النظام الخاص
صلاح دندش يكتب : تخاريف
أيمن بدرة يكتب: الملك الكروي بين الإنجليزي والمصري







