جريمة «بدلة الرقص» تفجر القضية.. هل تتحمل الدراما مسؤولية العنف المجتمعي؟

المجني عليه وسط حصار المتهمين
المجني عليه وسط حصار المتهمين


◄ خبير قانوني: التصالح لا يُسقط حق الدولة والعقوبة قد تبدأ من عام

 

◄ أستاذ علم اجتماع: السوشيال ميديا تنتقص من دور الأسرة في التنشئة

 

◄ عضو لجنة إعلام النواب: الرقابة موجودة ونحتاج أعمالًا هادفة تعالج القضايا المجتمعية

 

◄ أستاذ علم النفس: الإذلال العلني قد يخلّف اكتئابًا حادًا واضطرابات نفسية

 

فيديو قصير وثقته كاميرا هاتف في قرية ميت عاصم بالقليوبية، أشعل مواقع التواصل الاجتماعي، وسرعان ما تحولت القضية إلى رأي عام، عندما ظهر 9 أشخاص، يمسكون بشاب يدعى "إسلام"، أجبروه على خلع ملابسه وارتدى بدلا منها «بدلة رقص»، في مشهد مهين، تسبب في حالة من الغضب بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، رافضين هذا الأسلوب الذي أعاد للأذهان مشهد الفنان محمد رمضان في مسلسل الأسطورة.

ووجه المعلقون على المنشورات المتداولة، أصابع الاتهام إلى الفنان محمد رمضان، بسبب أدواره الدرامية والسينمائية التي اتسمت بالبلطجة والتحريض على العري والإسفاف - حسب تعليقات رواد السوشيال ميديا - وفي سطور الموضوع التالي نتناول دور الدراما في ترسيخ بعض الممارسات المرفوضة وكيفية مواجهة هذا بالأطر القانونية المعروفة.

التعامل الأمني الحاسم الذي أوقع المتهمين في شباك العدالة بالقبض عليهم جميعًا من قبل مباحث القليوبية الذين تحركوا سريعًا استجابة لما تم رصده وتم تحرير محضر بالواقعة وتولت النيابة العامة التحقيق.

 

◄ نقيب الممثلين يرفض يعلق  

 

مع طرح السؤال على الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية في اتصال تليفوني، قال نصًا: «مش هعلق»، ورفض الإدلاء بأي تصريح حول هذا الموضوع الذي آثار استياءً واسعًا بين المصريين، خاصة أن العديد من الأعمال الفنية السابقة لاقت هجوميًا شعبيًا واسعًا نظرًا للرسالة السلبية التي تقدمها.

وتعليقًا على الموضوع من الناحية القانونية، قال المستشار القانوني محمد محمد رشوان، إن التحقيقات سوف تكشف طبيعة الاتهامات، منها سبب اشتراك العمدة في الموضوع والاعتداء على الشاب وهل نما لعلمه أنه متورط في عملية الخطف وربما تتكشف تفاصيل أخرى  في التحقيقات خلال الساعات المقبلة.

ولفت إلى أن المتهمين وفقًا لظاهر الواقعة التي شاهدها الرأي العام، يواجهون «كوكتيل» جرائم يصل بهم إلى محكمة الجنايات، موضحًا أن النتائج قد تكون مفاجئة والعقوبة 5 سنوات أو 3 سنوات، وهذا الكلام العملي بعيد عن العاطفي، المنتشر عن السوشيال ميديا. 

وشدد المستشار القانوني محمد رشوان، على أنه في حالة إقدام الطرفين على التصالح إثر تنازل المجني عليه بعد تدخل أهالي القرية كما هو حال عادات الأرياف، فإن المحكمة تقضي بالحد الأدنى للعقوبة وهو عام في قضية تكدير الأمن والسلم العام وهذه قضية في حق الدولة وليس في حق الشخص المجني عليه.

وأشار إلى أن التهم هي استعراض القوة والعنف، الترويع والبلطجة، تكدير الأمن والسلم العام، وجميعها تصل لمرحلة الجنايات، ولو ثبت أحدهم يحمل سلاح يكون هناك تهمة أخرى اختطاف، لأن الخطف لا يكون في الشارع وإنما يكون تحت تهديد السلاح وفي أماكن غير علنية مثل مخزن أو عقار.

واستكمل المستشار القانوني محمد رشوان باقي التهم وهي كالتالي: التعدي بالضرب والسب والقذف، إلى جانب جريمة هتك عرض بسبب إجباره على ارتداء زي نسائي، موضحًا أن هناك عملية مؤازرة بسبب العدد الكبير من المتهمين وهو ما يسمى ظرف مشدد في القانون وتزود العقوبة.

 

اقرأ ايضا| كسر بالأنف واشتباه كسر بالفك.. تفاصيل التقرير الطبي لشاب واقعة «بدلة الرقص»

 

وأكد أن القاضي ينتبه للباعث من الجريمة وظروفها وملابساتها، وقد يكون وصل للأسرة أن ابنتهم مع الشاب في المنزل وبالتالي يثورون غضبًا طبقًا لعادات أهل الريف وربما تدفعهم لأفعال غير مسئولة وهذه يتم مراعاتها عند الحكم.

 

◄ دور سلبي للسوشيال ميديا

 

في هذا الإطار، ترى الدكتور أماني عبد الرحمن، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر، أن ما حدث أفعال غير مقبولة، ودخول السوشيال ميديا باتت تمارس بشكل سيئ من خلال تصويرها ونشرها.

وحول تفاصيل الواقعة، أكدت أن وفقًا لما تم إعلانه حول الأزمة، فإن الجناة حاولوا الانتقام لأنفسهم ولكن «انقلب السحر على الساحر» وتسببوا في فضيحة لأنفسهم وابنتهم لأنها شريكة في الجرم نفسه، مشيرة إلى أن المجني عليه لم يختطف الفتاة وإنما ذهبت معه بمحض إرادتها وبالتالي كان يتوجب على المتهمين معاقبة ابنتهم وأنفسهم على تقصيرهم في تربيتها.

وأوضحت أن الأخلاق ساءت في المجتمع عمومًا بعد تراجع تأثير كلمة «عيب وحرام» في التربية المنزلية، وبات الصغار لا يهتمون بها والأباء والأمهات غير معنيين بتربية أبنائهم كما كان قديمًا، مضيفة أن السوشيال ميديا أصبح لها دور سلبي في التنشئة الاجتماعية ينتقص من دور الأبوين، وأصبح الأطفال يأخذون القدوة من مواقع التواصل ويقلدون ما عليها من سلوكيات وأفعال.

وأشارت الدكتورة أماني عبد الرحمن، إلى أن الإصلاح يبدأ من الإعلام بشكله التقليدي والجديد، فالأول مسئول عن الدراما والرسائل التي تتضمنها، والثانية تتمثل في مواقع التواصل التي تحتاج لتنقية المحتويات المقدمة للجمهور.

 

◄ أعمال هادفة لمعالجة القضايا

 

ومن ناحية أخرى، قالت النائبة هند رشاد، عضو لجنة الإعلام والثقافة بمجلس النواب، أن الإعلام مسئولية والأعمال الدرامية يكون لها تأثير مباشر على الناس، موضحة أن الرقابة عليها موجودة والتأكيد على ضرورة تقديم أعمال هادفة موجودة من قبل الجميع وعلى رأسهم رئيس الجمهورية.

وأوضحت أن هذه الممارسات كانت موجودة في المجتمع ولكن الجديد إظهارها والتباهي بها ليؤكد غياب النخوة والشهامة وإظهار مساوئ لم نكن نتمنى وجودها، مؤكدة أن هذا لا يمنع وجود أعمال هادفة لمعالجة قضايا مثل التحرش وحل مشاكل قانون الأحوال الشخصية.

واختتمت النائبة هند رشاد أن «الدولة لا تربي» في المنزل وكذلك وزارة الثقافة والإعلام «لن تربي» وإنما هي عوامل مساعدة من خلال سن تشريعات تحكم المحتوى المقدم وكذلك الرقابة عليه، وتبقى المشكلة في الوعي وانتقاء الأعمال التي يمكن مشاهدتها من قبل الأسرة ومساعدة صغارها على امتلاك القدرة على التمييز بين المحتوى الهادف والمضر، إلى جانب العمل على الحد من استخدام مواقع التواصل وتحجيم تأثيرها.

 

◄ نزعة انتقامية شرسة

 

في هذا السياق، أكد الدكتور أحمد فخري، أستاذ علم النفس الإكلينيكي ورئيس قسم العلوم الإنسانية بجامعة عين شمس، أن ما جرى يمثل إهانة مباشرة للكرامة الإنسانية، وينطوي على قدر كبير من الإذلال وكسر النفس، وهو سلوك يعكس نزعة انتقامية شرسة قد تخلّف تداعيات نفسية خطيرة على الضحية.

وأوضح أنه مهما تكن الأسباب، فإن التشهير العلني بدافع التشفي والانتقام يترك جرحًا نفسيًا عميقًا، تتفاوت حدته وفقًا للبنية النفسية للشخص قبل وقوع الاعتداء. فهناك من يتسمون بقدر من اللامبالاة أو لديهم ميول عدوانية وثأرية، ما قد يدفعهم إلى الرد بالانتقام لاستعادة شعورهم بالاعتبار.

وتابع: «توجد شخصيات مرهفة الحس، لا تحمل نزعات إجرامية وتتمتع بقدر عالٍ من الضمير الأخلاقي، وهؤلاء يكونون أكثر عرضة للإصابة بما يُعرف بمتلازمة «القلب المكسور»، حيث يتحول الألم النفسي إلى جرح عميق يُحدث تصدعًا في البناء النفسي، ويصاحبه اكتئاب حاد وأعراض جسدية مؤلمة».

وأشار إلى أن بعض الشخصيات تتسم بهشاشة في تكوينها النفسي، ما يجعلها أكثر عرضة للإصابة باضطرابات نفسية سريعة عند التعرض لضغوط وأزمات شديدة، مثل اضطرابات القلق والاكتئاب، وأحيانًا الوسواس القهري الحاد.

 

◄ جلسات دعم وتأهيل نفسي

 

وحذر من أن الأخطر يتمثل في عجز بعض الأفراد عن تحمّل وطأة الألم النفسي، ما قد يدفعهم إلى التفكير في إنهاء حياتهم هربًا من الإحساس باليأس والمهانة، إضافة إلى أنه قد يلجأ آخرون إلى تخدير مشاعرهم والهروب من الواقع عبر تعاطي المخدرات أو إساءة استخدام الأدوية المنومة والمسكنة، وهو ما يفتح الباب أمام الوقوع في براثن الإدمان وما يترتب عليه من أزمات إضافية.

وأضاف أن الجرح النفسي وكسر الخاطر، وما يصاحبهما من اضطرابات في النوم والشهية والسلوك، تمثل عبئًا بالغ القسوة على أي إنسان سوي، فكيف إذا كان يعاني أصلًا من قابلية للإصابة بالاضطرابات النفسية، إذ يصبح أكثر عرضة للانزلاق سريعًا نحو المرض النفسي وتداعياته.

وبالنظر إلى حالة الشاب الذي تعرض للتنكيل بمحافظة القليوبية، شدد الدكتور فخري على ضرورة الإسراع بعرضه على مختص في العلاج النفسي، لبدء جلسات دعم وتأهيل نفسي بشكل فوري. كما أكد أهمية توفير دعم اجتماعي مكثف من الأسرة والأصدقاء والمقربين خلال هذه المرحلة، لما لذلك من أثر بالغ في تعزيز شعوره بالاحتواء والأمان.

واختتم بالتأكيد على أن تضميد الجراح النفسية في مثل هذه الحالات يتطلب كذلك سرعة تحقيق العدالة الناجزة، ورد الاعتبار للمجني عليه عبر تطبيق العقوبات الرادعة بحق المتهمين، بما يسهم في استعادة الإحساس بالإنصاف والكرامة.