بعد عقود تصدر فيها علم الجينات المشهد بوصفه المفتاح الأكبر لفهم الأمراض، يتجه العلماء اليوم إلى مقاربة أوسع تسعى للإجابة عن سؤال مختلف: كيف يشكل العالم من حولنا صحتنا؟ من الهواء الذي نستنشقه إلى الغذاء الذي نستهلكه، ومن المواد الكيميائية إلى الميكروبات المحيطة بنا، تتبلور رؤية علمية جديدة ترى أن البيئة اليومية قد تكون اللاعب الأبرز في تحديد مسار المرض.
برزت خلال السنوات الأخيرة مبادرة علمية دولية تعرف باسم «مشروع الإكسوسوم البشري»؛ تهدف إلى رسم خريطة شاملة لما يسمى بـ«الإكسوسوم»، أي مجموع التعرضات البيئية والكيميائية والبيولوجية وأنماط الحياة التي يتفاعل معها الإنسان منذ ولادته وحتى مراحل متقدمة من العمر، وتأثيرها التراكمي على الصحة.
اقرأ أيضا| 47% زيادة في الخطر.. الطعام السريع تهديد صامت للقلب
وإذا كان Human Genome Project قد نجح في فك الشفرة الوراثية ورسم خريطة الحمض النووي، فإن المشروع الجديد يسعى إلى استكشاف الوجه الآخر من المعادلة: تأثير البيئة الواقعية في الجينات وفي احتمالات الإصابة بالأمراض، وتشير تقديرات علمية متداولة إلى أن العوامل الوراثية تفسر ما بين 10 و20 في المئة من مخاطر الإصابة، فيما قد تعود النسبة الأكبر إلى التعرضات البيئية ونمط الحياة.
ورغم هذا الثقل، بقيت أبحاث التعرضات البيئية موزعة بين دراسات محلية ومشروعات متفرقة، من دون إطار عالمي منسق يوازي ما تحقق في علم الجينوم، ومن هنا جاء إطلاق المبادرة رسميًا في واشنطن عام 2025، قبل أن تتوسع عبر شراكات مع حكومات ومنظمات دولية، من بينها UNESCO، إضافة إلى شبكات استشارية علمية عابرة للحدود.
وخلال اجتماع علمي عقد ضمن فعاليات American Association for the Advancement of Science (AAAS) في فبراير الماضي، عرض قادة «المنتدى العالمي للإكسوسوم» ما تحقق من خطوات تنفيذية، مؤكدين انتقال المشروع من مرحلة التصور النظري إلى بناء أدوات عملية للبحث والتطبيق.
ويرتكز المشروع على ثلاث أولويات رئيسية: أولها تطوير أبحاث "الإكسوسوميات" عبر توظيف الذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار المتقدمة، وتحليل البيانات الضخمة وعلوم "الميتابولوميكس"، وثانيها إنشاء شبكة عالمية تربط بين المؤسسات البحثية في مختلف القارات، أما المحور الثالث فيتمثل في صياغة أطر أخلاقية وسياسات عامة تضمن ترجمة النتائج العلمية إلى قرارات تنظيمية قابلة للتنفيذ، فيما يعرف بأخلاقيات الإكسوسوم.
إقليميا، شهدت جنوب أفريقيا في ديسمبر 2025 اجتماعات رفيعة المستوى لبحث إنشاء شبكة أفريقية متخصصة، مع الاتفاق على دمج خبراء القارة في فرق العمل الدولية، وتحسين آليات جمع بيانات الصحة العامة وتنسيقها،ويُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها مؤشرا على إشراك دول الجنوب في إنتاج المعرفة العلمية وصياغة أولوياتها، بدل الاكتفاء بدور المتلقي.
ويعتقد مؤيدو المشروع أن فهم الإكسوسوم قد يحدث تحولا في التعامل مع أمراض معقدة مثل الربو، واضطرابات طيف التوحد، والتدهور المعرفي، وأمراض الشيخوخة. كما قد ينعكس على سياسات تنظيم مواد مثيرة للجدل، كالمبيدات وبعض الملونات الغذائية والجسيمات البلاستيكية متناهية الصغر.
الفكرة الجوهرية لا تقوم على البحث عن سبب منفرد للمرض، بل على تحليل التأثير التراكمي والمتداخل لعشرات أو مئات العوامل البيئية عبر الزمن، وفهم كيفية تفاعلها مع الجينات لتحديد مسار الصحة أو الإصابة،ورغم الطموح الكبير، يواجه المشروع تحديات معقدة، من بينها دمج كميات هائلة من البيانات البيئية والصحية، وبناء معايير أخلاقية واضحة، وتحويل نتائج علمية دقيقة إلى سياسات عملية قابلة للتطبيق، إلا أن القائمين عليه يعوّلون على البنية الرقمية التعاونية والشراكات الدولية لتجاوز هذه العقبات.
قد لا يكون السؤال في طب المستقبل: "ماذا تقول جيناتك؟" بل “كيف شكلت بيئتك حياتك الصحية؟”، وبين الجينوم والإكسوسوم تتشكل ملامح مرحلة جديدة في فهم المرض، مرحلة تسعى إلى قراءة الإنسان بوصفه نتاجًا لتفاعل دائم بين الشفرة الوراثية والعالم المحيط به، في مقاربة أكثر شمولًا وواقعية لطب القرن الحادي والعشرين.

مشروبات الطاقة.. أضرار ومضاعفات خطيرة
«اللبن المتجمد أم القاطع».. أيهما أفضل للاستخدام
جددي في مطبخك.. طريقة تحضير فيليه اللحم بحشو الخضار







