زكي رستم.. الشرير الذي أحبه الجميع

زكي رستم
زكي رستم


زكي رستم لم يكن مجرد ممثل عظيم، بل ظاهرة فنية وإنسانية، على الشاشة كان الشرير الذي يخشاه الجمهور، وفى الحياة كان رجلاً صامداً، عاش معاناته بصمت، واختار الفن على كل شيء آخر.. قصته ليست مجرد حياة فنان، بل رحلة تمرد على القيود، على التقاليد، وعلى الذات أحيانًا.

وفي ذكرى وفاته نعيد اكتشاف ما وراء الشخصية، ونرى كم كانت حياته مليئة بالمفارقات والخيارات الصعبة؟!

ولد زكى رستم عام 1903 في أسرة أرستقراطية بالقاهرة، ذات وجاهة ومكانة اجتماعية، كان شابًا قويًا ورياضيًا، وحصل على المركز الثاني في بطولة رفع الأثقال الوطنية عام 1923، لكن قلبه لم يكن مع الأوزان، شغفه الحقيقي كان على خشبة المسرح.

التمثيل في نظر أسرته كان عارًا، لذا حاول رستم الالتزام بالقانون والدراسة في كلية الحقوق، لكنه لم يستطع قبول حياة تخلو من الفن، فقرر ترك الدراسة، وواجه طرد أسرته وفقدان كل شيء مادي، لكنه لم يفقد حلمه.

◄ اقرأ أيضًا | في ذكرى وفاة «بولا» جميلة الجميلات| نادية لطفي.. ملاك السينما المصرية

انطلق في عالم المسرح عام 1924، ثم انضم إلى فرقة رمسيس عام 1925 هناك تعلم معنى التقمص الحقيقى للشخصية، أن يعيش الدور لا أن يمثل فقط. وفى عام 1930 ظهر على الشاشة الكبيرة بفيلم زينب، لتبدأ مسيرة طويلة تجاوزت 250 فيلمًا، تراوحت بين الشر، والقسوة، والرحمة، والفكاهة السوداء، مؤكدة مكانته كأحد أعمدة مدرسة الاندماج في السينما المصرية.

رغم ارتباطه بأدوار الشر، لم يكن الشر عند رستم سطحياً، في فيلم نهر الحب كان الزوج المستبد، وفى صراع فى الوادى الإقطاعي القاسي، وفى رصيف نمرة 5 تاجر المخدرات الماكر، الشر عنده كان له منطق ودوافع ووجدان إنسانى، ولهذا كان الجمهور يكرهه على الشاشة ويحترمه خارجها.

بعيدًا عن الشر قدم رستم شخصيات إنسانية مؤثرة مثل الأب في أنا وبناتى، الرجل البسيط فى ياسمين، وشخصيات ضعيفة تكاد تقاوم ظروفها، أدواره أثبتت تنوع موهبته، وأنه لم يكن مجرد ممثل للشر، بل ممثل العمق النفسي.

كان يجيد الإنجليزية بطلاقة، وعُرض عليه دور بطولة عالمى من إنتاج كولومبيا، لكنه رفض، مما كشف عن صلابة أخلاقه ورفضه الإساءة للعرب حتى لو كلفه، الشهرة والمال. هذا القرار يعكس شخصية الفنان المتمرد والمخلص لمبادئه.

رغم شهرته كان زكى رستم إنسانًا انطوائيًا، لا يحب الحفلات ولا التكريمات، لم يتزوج، ولم ينجب، ومع تقدمه فى العمر بدأ يفقد سمعه تدريجيًا حتى أصيب بالصمم الكامل عام 1968، واضطر للاعتزال، ليعيش سنواته الأخيرة فى عزلة وقراءة مكتبته الوحيدة.

في 15 فبراير 1972 رحل زكى رستم إثر أزمة قلبية عن عمر 69 عامًا.. جنازته لم تحظ بالحضور الذي يستحقه، وكأن العالم قد نسى الرجل الذى ملأ الشاشة حضورًا، لكن أعماله، التي تجاوزت 240 عملًا، لا تزال شاهدة على عبقريته وخلود فنه.