بعد انتشار جرائم العنف ..الألعاب الإلكترونية.. إدمان «أون لاين»

الألعاب الإلكترونية
الألعاب الإلكترونية


التوسع غير المنضبط فى استخدام الإنترنت والألعاب الإلكترونية بين الأطفال والمراهقين أصبح أحد أخطر التحديات التى تواجه المجتمع، لما يحمله من تهديدات مباشرة للقيم والسلوك والهوية الوطنية، فى ظل محتوى رقمى مفتوح لا يراعى الخصوصية الثقافية ولا المراحل العمرية، فقد تحولت الألعاب الإلكترونية من مجرد وسيلة ترفيه إلى فضاء مواز يشكل وعى الأطفال ويؤثر فى شخصيتهم وسلوكهم النفسى والاجتماعي، خاصة فى سنواتهم الأولى، ويجد ملايين الأطفال أنفسهم عرضة لمحتوى غير ملائم، وألعاب خطرة، ورسائل خفية قد تقود إلى العزلة أو الابتزاز أو حتى الإدمان والانتحار ، وزيادة فى السلوك العدوانى والعنف، وتصل فى بعض الأحيان إلى ارتكاب جرائم غريبة على مجتمعنا ..لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة اتصال بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للأطفال، وعلى الرغم مما يحمله من فرص للتعلم والمعرفة، إلا أن له جانبا مظلما آخر يهدد صحتهم النفسية والسلوكية والتعليمية، وفى ظل تزايد المخاطر التى تحيط بالأطفال جراء الاستخدام المفرط لمنصات التواصل الاجتماعى والألعاب الإلكترونية، وتماشياً مع توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى بضرورة تقنين هذا الملف.



اقرأ أيضًا | من الحوت الأزرق إلى مومو| الألعاب الإلكترونية يجب الحذر منها

الدولة بدأت تواجه هذا الخطر على نطاق واسع بإعداد مشروع قانون متكامل ينظم استخدام الأطفال لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، ويحقق معادلة دقيقة بين الاستفادة من التكنولوجيا وحمايتهم من مخاطرها، خاصة فى ظل تصاعد وقائع الابتزاز الإلكترونى والتنمّر، والتعرّض لمحتوى غير ملائم والتحريض على العنف، ولا يهدف مشروع القانون إلى المنع المطلق، وإنما يسعى إلى تنظيم الاستخدام وفق مراحل عمرية محددة، ليحقق التوازن بين حق الطفل فى الاستفادة من التكنولوجيا وحقه فى الحماية والرعاية السليمة.

وبدأت لجنة الاتصالات فى مجلس النواب جلسات استماع، وبالفعل عقدت لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب الأسبوع الماضى أولى جلسات الاستماع بحضور ثلاثة وزراء وهم وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وزير التربية والتعليم، وزيرة التضامن الاجتماعي، وبحضور الدكتورة سحر السنباطى رئيس المجلس القومى للمرأة، وعدد من المتخصصين، وبعض رؤساء الهيئات البرلمانية، ورئيس لجنة الشئون الدستورية والتشريعية، إلى جانب خبراء الصحة النفسية والتربويين والمتخصصين التنفيذيين، وذلك للوصول إلى صياغة تشريعية دقيقة وقابلة للتنفيذ على أرض الواقع، تراعى الجوانب القانونية والتقنية والمجتمعية.

وستتطرق المناقشات البرلمانية إلى تحديد سن مناسبة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعى، والتعاون مع وزارة التضامن الاجتماعى والمجلس القومى للطفولة والأمومة والجهات الإعلامية للتوعية بآليات فرض الأسر لمعايير الأمان فى متصفحات الأطفال والتطبيقات التى يستخدمونها، وإلزام المنصات بإعدادات افتراضية آمنة للطفل، والتعاون مع وزارة التربية والتعليم فى بناء محتوى تعليمى تفاعلى يناقش السلامة الرقمية فى المناهج والأنشطة المدرسية، وأيضا فرض قيود على استخدام الهواتف المحمولة داخل البيئة التعليمية، لا سيما فى المدارس الحكومية والخاصة، فى محاولة للحد من التشتت الذهنى وضعف التحصيل الدراسى المرتبط بالاستخدام المفرط للأجهزة الذكية.

وأكد أعضاء لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب أن الهدف لا يقتصر فقط على تقنين استخدام التكنولوجيا، بل يمتد إلى ترسيخ ثقافة رقمية سليمة لدى الأسرة والمجتمع، عبر حزمة من الإجراءات التوعوية والتربوية، إلى جانب الإطار القانونى الذى مازال قيد النقاش ولا يزال ينتظر استكمال جلساته للوصول إلى صيغة نهائية قابلة للإحالة إلى البرلمان للمناقشة فى قاعة المجلس، وطالب عدد من النواب بإنشاء هيئة مستقلة للسلامة الرقمية لحماية الأطفال من مخاطر السوشيال ميديا كجهة مستقلة تراقب وتصدر إرشادات تنظيمية للسلامة الرقمية للشركات المشغلة للمنصات، مع تحميلها المسئولية القانونية عن المخالفات وفرض غرامات مدنية كبيرة.

وقالت النائبة مها عبد الناصر وكيل لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب إن مشروع القانون يركّز على تنظيم استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعى تحديدًا، وليس الألعاب الإلكترونية بشكل مباشر، مشيرة إلى أن آليات التطبيق والتحقق من الأعمار، والضوابط الفنية المرتبطة بالمنصات الرقمية، ما زالت محل نقاش ولم يُحسم شكلها النهائى حتى الآن، وقد بدأ البرلمان بالفعل أولى جلسات الاستماع لمناقشة مشروع القانون، تم خلالها استطلاع آراء الخبراء والجهات المعنية، ولم يتبلور بعد فى صيغة قانون نهائية، كما شددت على أن الاستخدام المبكر والمكثف للهواتف المحمولة يمثل أزمة حقيقية تؤثر سلباً على تركيز الطلاب وقدرتهم على الاستيعاب لذلك طالبت وزارة التربية والتعليم بضرورة إصدار قرار حاسم بمنع تواجد الهواتف المحمولة نهائياً داخل المدارس، سواء الحكومية أو الخاصة، لما تسببه من تشتيت للعملية التعليمية.

وأضافت وكيل لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أن المسئولية الأكبر تقع على عاتق الأسرة، حيث إنهم خط الدفاع الأول، والقانون وحده لن يكون كافياً إذا لم يكن هناك وعى ورقابة أسرية، قائلة «هناك أطفال يقومون بتزوير تواريخ ميلادهم لإنشاء حسابات على فيسبوك رغم أن السن القانونية 13 عاماً»، لذلك وحتى أن أصدرت الدولة تشريعات مشابهة لما قامت به أستراليا، ستواجه تحديات كبيرة فى التطبيق إذا استمر غياب دور الأب والأم فى الرقابة.

وعن آليات التنفيذ أشارت مها عبد الناصر إلى وجود تنسيق مرتقب مع وزارات الاتصالات والثقافة، والإعلام لإنتاج محتوى رقمى تعليمى (فيديوهات قصيرة) يستهدف أولياء الأمور، لتعليمهم كيفية تفعيل خاصية الرقابة الأبوية (Parental Control)، وإغلاق غرف الدردشة داخل الألعاب الإلكترونية، وهى أدوات موجودة تقنياً لكن يجهلها الكثير من الأهالي.

وحول ما إذا كان القانون سيتطرق لمخاطر الذكاء الاصطناعى (AI) أوضحت أن تنظيم السوشيال ميديا يختلف عن تشريعات الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن مصر تمتلك قانوناً لمكافحة جرائم تقنية المعلومات، لكنه قد يحتاج إلى تعديلات تشريعية مستقبلاً لمواجهة التطورات الحديثة مثل (Deep seek)، وهو ما لم يُطرح بشكل رسمى فى المناقشات الحالية.

وفى ذات الإطار قدم النائب مصطفى البهى عضو مجلس النواب عن حزب الشعب الجمهورى مشروع قانون «حماية الطفل من المؤثر الرقمى وتنظيم الحياة الرقمية» باسم الحزب خلال أولى جلسات الاستماع بلجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بالمجلس، التى عقدت عقب توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى بدراسة وإعداد تشريع ينظم أو يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعى للأطفال حتى عمر معين، مشيراً إلى أن فلسفة القانون لا تقوم على المنع المطلق بل على التنظيم الذكى وسد الفراغ التشريعى الذى خلفته القوانين القديمة أمام التكنولوجيا الحديثة.

وأوضح النائب أنه تم دراسة عدة قوانين قائمة مثل قانون العقوبات، وقانون الطفل، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (175 لسنة 2018)، وتم اكتشاف وجود فراغ تشريعى نظراً لأن هذه القوانين وُضعت فى زمن لم يكن فيه الفضاء الرقمى بهذه الشراسة، مما استدعى تدخلاً تشريعياً يواكب الجرائم المستحدثة، كما حذر البهى بشدة من التطور المتسارع للذكاء الاصطناعى (AI)، قائلاً إذا لم نشعر بخطورة الـ (Dark Web) وال (deepseek) الآن، فإن الذكاء الاصطناعى سيتطور بشكل مرعب خلال عام واحد، ويتميز القانون الجديد بـ«الاستباقية التشريعية»، حيث يغطى مخاطر حديثة مثل المقامرة الإلكترونية، واستغلال الأطفال فى البث المباشر (Live Streaming)، وجرائم ال deepseek التى قد تدمر سمعة الأسر، وذلك لضمان عدم الحاجة لتعديلات تشريعية جديدة بعد فترة قصيرة.

وشدد البهى على أنه قد تم دراسة الإمكانيات المتاحة وأن القانون قابل للتنفيذ عبر آليات تكنولوجية حديثة مثل «الشرائح الذكية» وتطبيقات «الرقابة الأبوية» (Parental Control)، التى تتيح للأهالى التحكم فى المحتوى الذى يتعرض له أبناؤهم دون منعهم من مواكبة التكنولوجيا، كما أوضح البهى أن جلسات الاستماع لمشروع القانون المقدم والاجتماعات التحضيرية التى ضمت لجان الاتصالات والتضامن والمجلس القومى قد شهدت توافقاً كبيراً فى الآراء بنسبة تصل إلى 95%، لافتاً إلى أن الإرادة السياسية والمجتمعية متوفرة بقوة لإخراج هذا القانون إلى النور فى أسرع وقت ممكن لحماية النشء المصري.