الزيارة الأخيرة للبيت الأبيض من نتنياهو كانت مختلفة كثيرا عن الزيارات الست التى قام بها خلال العام الأول من ولاية ترامب الثانية. غابت مظاهر الاحتفال التى كانت ترافق زياراته السابقة، وغابت الصحافة عن لقائه بالرئيس الأمريكى الذى استمر لثلاث ساعات كاملة. وما إن انتهى اللقاء حتى كان الرئيس ترامب يقول فى منشور خاص على وسائل للتواصل الاجتماعى انه لا نتائج حاسمة من الاجتماع ولكن فقط إصرار من ترامب على أنه يفضل التوصل لاتفاق مع إيران، وإذا لم يحدث ذلك فسوف نرى ما ستؤول إليه الأمور. ومن جانبه اكتفى نتنياهو فى بيان خاص بأنه شدد على الاحتياجات الأمنية لإسرائيل فى إطار المفاوضات الأمريكية - الإيرانية دون أية تفاصيل.
واضح أن التركيز كان على الأزمة مع إيران، ومع ذلك تحدث ترامب فى منشوره عما وصفه بـ«التقدم الهائل» فى عملية السلام واتفاق غزة، واكتفى نتنياهو بالتوقيع على أوراق الانضمام إلى مجلس السلام قبل اللقاء بالرئيس الأمريكي.. فى إشارة إلى أنه مستعد للانخراط فى تنفيذ الاتفاق، بينما هو فى الواقع يضع كل العراقيل فى طريق الانتقال للمرحلة الثانية ويتهرب من كل استحقاقاتها، ويفجر الموقف فى الضفة الغربية رغم التأكيد المتكرر من البيت الأبيض بمعارضة أمريكا لأى ضم من جانب إسرائيل للضفة الغربية أو أجزاء منها.
إلحاح نتنياهو فى التعجيل بزيارته لواشنطن جاء بعد اجتماع مسقط وبعد أن تأكدت إسرائيل من جدية احتمالات التوصل لاتفاق جديد حول الملف النووى الإيراني. الموقف الإسرائيلى الثابت هو ضد أى اتفاق أمريكى أو غربى مع إيران حول برنامجها النووى أو أى مهادنة مع النظام الإيراني. كان هذا هو موقفها من الاتفاق الأول الذى تم فى عهد أوباما وألغاه بعد ذلك ترامب فى ولايته الأولي. حسابات إسرائيل كانت أن ترامب سيظل من حيث المبدأ رافضا لأى اتفاق مع إيران، وتأكد لها ذلك بعد التصعيد الأمريكى بضربة يوليو الماضى التى استهدفت فيها القاذفات الأمريكية أهم المنشآت النووية الإيرانية. ولهذا كان الجهد الإسرائيلى فى الشهور الماضية متركزا على محاولة إقناع الإدارة الأمريكية بأن هذا هو الوقت المناسب للقضاء على النظام الإيرانى وهو فى أضعف حالاته. فإذا بها أمام مفاوضات إيجابية بين واشنطن وطهران، وتأكيد أمريكى على أولوية الاتفاق رغم الحشود العسكرية، وإقرار من واشنطن بأن إيران جادة فى التفاوض وراغبة فى اتفاق يبدو فى المتناول إذا خلصت النوايا.
مشكلة إسرائيل أنها تريد من الجميع، بمن فيهم الحليف الأكبر وربما الأوحد «أمريكا» أن تضع المصالح الإسرائيلية فوق أى مصالح أخرى بما فيها المصالح الأمريكية نفسها. الرئيس ترامب يدرك أن حربا جديدة ضد إيران لن تكون فى مصلحة أمريكا ولا فى مصلحة دول المنطقة، ويعرف أن قاعدته الانتخابية داخل أمريكا لا تريد الحرب خاصة إذا كان هدفها البرنامج النووى الإيرانى الذى أعلن ترامب فى يوليو الماضى أنه قد تم تدميره. وإيران - من جانبها - أكدت أنها لا تريد سلاحا نوويا، وأنها مستعدة لقبول كل وسائل التحقق والتفتيش والرقابة من جانب المؤسسات الدولية المختصة. كما أبدت مرونة كبيرة فى التعامل مع مخزونها من اليورانيوم المخصب وقبول نسب التخصيب التى تكفى فقط للأغراض العلمية والطبية والاستخدامات السلمية.
ما يزعج إسرائيل أيضا هو الدور الفاعل لدول الإقليمية العربية والإسلامية فى محاولة منع الحرب وإيقاف التصعيد واستجابة الطرفين - الأمريكى والإيراني -، الإيجابية لهذا التحرك. هذا ينهى المحاولة الإسرائيلية الحمقاء لزرع الخلافات الطائفية فى المنطقة، ويعيد التأكيد على حقيقة أن الخطر الأساسى على دولة المنطقة هو الخطر الإسرائيلي، وأن طريق السلام هو الطريق الفلسطيني، وكل ما عدا ذلك تفاصيل. لهذا يستميت نتنياهو فى محاولته توريط أمريكا فى حرب جديدة على إيران تنهى الحديث عن حرب الإبادة فى غزة وابتلاع الضفة الغربية وإغلاق الطريق تماما أمام قيام دولة فلسطين التى يؤمن العالم كله أنه لا سلام ولا استقرار فى المنطقة فى غيابها.
المشكلة الأساسية فى المفاوضات الأمريكية الإيرانية الآن.. أن ترامب يريد اتفاقا أفضل - من وجهة نظر أمريكية - من الاتفاق السابق الذى توصل إليه أوباما ثم ألغاه ترامب نفسه، وإلا سيواجه السؤال المنطقي: ولماذا ألغيت اتفاق أوباما؟ ومن ناحية أخرى فإن حدود المرونة فى الموقف الإيرانى لها حد، ولها ثمن أهم ما فيه رفع العقوبات. تأكيد الطرفين على أن التفاوض مستمر وأن الاتفاق ممكن لا يعنى أن إسرائيل ستتوقف عن محاولة جر أمريكا لحرب جديدة تشعل المنطقة، ولا تعنى أن تتوقف جهود دول المنطقة لمنع هذه الحرب، بل مضاعفة هذه الجهود لإنقاذ المنطقة من صراع كفيل بتدمير ما تبقى من عوامل استقرار تراه إسرائيل خطرا وجوديا عليها.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







