خواطر الشعراوى| ابتغاء مرضاة الله

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: إن ابتغاء مرضاة الله فى الإنفاق تعنى خروج الرياء من دائرة الإنفاق، فيكون خالصا لوجهه سبحانه وأما التثبيت من أنفسهم، فهو لأنفسهم أيضا. فكأن النفس الإيمانية تتصادم مع النفس الشهوانية، فعندما تطلب النفس الإيمانية أى شيء فإن النفس الشهوانية تحاول أن تمنعها. وتتغلب النفس الإيمانية على النفس الشهوانية وتنتصر لله.

والمراد بـ ﴿وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ هو أن يتثبت المؤمن على أن يحب نفسه حبا أعمق لا حبا أحمق. إذن فعملية الإنفاق يجب أن تكون أولا إنفاقا فى سبيل الله، وتكون بتثبيت النفس بأن وهب المؤمن أولا دمه، وثبت نفسه ثانيا بأن وهب ماله، وهكذا يتأكد التثبيت فيكون كما تصوره الآية الكريمة: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ «البقرة: ٢٦٥».. والجنة كما عرفنا تُطلق فى اللغة على المكان الذى يوجد به زرع كثيف أخضر لدرجة أنه يستر من يدخله. ومنها «جن» أى «ستر»، ومن يدخل هذه الجنة يكون مستورًا.

إن الحق يريد أن يضرب لنا المثل الذى يوضح الصنف الثانى من المنفقين فى سبيل الله ابتغاء مرضاته وتثبيتا من أنفسهم الإيمانية ضد النفس الشهوانية، فيكون الواحد منهم كمن دخل جنة كثيفة الزرع، وهذه الجنة توجد بربوة عالية، وعندما تكون الجنة بربوة عالية فمعنى ذلك أنها محاطة بأمكنة وطيئة ومنخفضة عنها، فماذا يفعل المطر بهذه الجنة التى توجد على ربوة؟ وقد أخبرنا الحق بما يحدث لمثل هذه الجنة قبل أن يتقدم العلم الحديث ويكتشف آثار المياه الجوفية على الزراعة.

فهذه الجنة التى بربوة لا تعانى مما تعانى منه الأرض المستوية، ففى الأرض المستوية قد توجد المياه الجوفية التى تذهب إلى جذور النبات الشعرية وتفسدها بالعطن، فلا تستطيع هذه الجذور أن تمتص الغذاء اللازم للنبات، فيشحب النبات بالإصفرار أولا ثم يموت بعد ذلك، إنّ الجنة التى بربوة تستقبل المياه التى تنزل عليها من المطر، وتكون لها مصارف من جميع الجهات الوطيئة التى حولها، وترتوى هذه الجنة بأحدث ما توصل إليه العلم من وسائل الري، إنها تأخذ المياه من أعلى، أى من المطر، فتنزل المياه على الأوراق لتؤدى وظيفة أولى وهى غسل الأوراق.

إن أوراق النبات كما نعلم مثل الرئة بالنسبة للإنسان مهمتها التنفس، فإذا ما نزل عليها ماء المطر فهو يغسل هذه الأوراق مما يجعلها تؤدى دورها فيما نُسميه نحن فى العصر الحديث بالتمثيل الكلوروفيلي. وبعد ذلك تنزل المياه إلى الجذور لتذيب العناصر اللازمة فى التربة لغذاء النبات، فتأخذ الجذور حاجتها من الغذاء المذاب فى الماء، وينزل الماء الزائد عن ذلك فى المصارف المنخفضة..

وهذه أحدث وسائل الزراعة الحديثة، واكتشفوا أن المحصول يتضاعف بها.
إن الحق يخبرنا أن من ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله وتثبيتًا من أنفسهم كمثل هذه الجنة التى تروى بأسلوب رباني، فإن نزل عليها وابل من المطر، أخذت منه حاجتها وانصرف باقى المطر عنها، ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾؛ والطلُّ وهو المطر والرذاذ الخفيف يكفيها لتؤتى ضعفين من نتاجها.

وإذا كان الضعف هو ما يساوى الشيء مرتين، فالضعفان يساويان الشيء أربع مرات. والله يضرب لنا مثلا ليزيد به الإيضاح لحالة من ينفق ماله رئاء الناس فيسأل عباده المؤمنين وهو أعلم بهم فيقول جل شأنه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ...﴾.

إن الحق سبحانه يشركنا فى الصورة كأنه يريد أن يأخذ منا الشهادة الواضحة. فهل يود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات. ونعلم أن النخيل والأعناب هما من أهم ثمار نَتاج المجتمع الذى نزل به القرآن الكريم.

ونعرف أن هناك حدائق فيها نخيل وأعناب، ويضيف إليها صاحبها أشجارًا من الخوخ وأشجارًا من الفواكه الأخرى. ولذلك يقول الحق فى أصحاب الجنة: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الجنتين آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَدًا وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّى لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ «الكهف: ٣٢ - ٣٦».

كأن الجنتين هنا فيهما أشياء كثيرة، فيهما أعناب، وزادهما الله عطاء النخيل، ثم الزرع، وهذا يسمى فى اللغة عطف العام على الخاص، أو عطف الخاص على العام، ليذكر الشيء مرتين، مرة بخصوصه، ومرة فى عموم غيره. وعندما يتحدث الحق سبحانه عن جنة الآخرة فإنه يقول مرة: ﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا ذلك الفوز العظيم﴾ «التوبة: ٨٩».