84 عاماً مرت فى الرابع من الشهر الجارى على أسوأ وأصعب وأخطر حدث سياسى تعرضت له المملكة المصرية ومليكها جلالة فاروق الأول ملك مصر والسودان ودارفور وكوردفان عندما حاصرت دبابات الاحتلال البريطانى قصر عابدين من كل الاتجاهات فى 4 فبراير 1942 لإرغامه على تشكيل وزارة جديدة برئاسة مصطفى النحاس باشا زعيم حزب الوفد باعتباره الحزب الذى له شعبية جارفة فى الشارع وضماناً لاستمرار تنفيذ معاهدة 1936 التى وقعها النحاس باشا مع سلطات الاحتلال البريطانى، وإجبار الملك بالتوقيع على صيغة التنازل المهينة عن حكم البلاد لولى العهد الأمير محمد على توفيق ! وتم منح الملك مهلة للموافقة على طلب سلطة الاحتلال تحت ضغط محاصرة الدبابات لقصر عابدين القابع داخله !
الحدث غير المُتوقع وضع البلاد وجلالة الملك فى مأزق لا يُحسد عليه بما يمس السيادة المصرية بتدخل سلطة الاحتلال فى شئون مصر بما يخالف ما اتفق عليه فى معاهدة 1936، والسلطات البريطانية كانت تولى وجهها نحو القوات الألمانية بقيادة الجنرال « روميل « التى وصلت إلى العلمين فى ذروة الحرب العالمية الثانية التى أصبحت مصر فى القلب منها، وكان لدى سلطة الاحتلال البريطانى شك بأن الملك فاروق الذى لم يكن على وفاق معها لديه ميول ملحوظة لمحورألمانيا وإيطاليا واليابان. ويقول السفير لامبسون فى مذكراته إن الملك فاروق كان على علم بمظاهرات الطلبة بالجامعة التى تحرض ضد بريطانيا، لكن رئيس الديوان الملكى أحمد حسنين باشا أوضح أن القصر لا علاقة له بما يجرى وعلى رئيس الوزراء حسين سرى باشا الحامل لحقيبة الداخلية أن يتصرف. واعتبر حسين سرى كلام رئيس الديوان الملكى بلاغاً رسمياً من الملك بأنه لم يعد مسانداً له، ودون الدخول فى تفاصيل كثيرة أبلغ رئيس الوزراء كلاً من أحمد ماهر باشا زعيم الحزب السعدى ومحمد حسين هيكل باشا زعيم حزب الأحرار كزعماء للحزبين فى حكومته أنه سوف يتقدم باستقالته لأنه لا يقبل لنفسه أو لهما بأن يكونا فى مثل هذا المأزق .
ومن الكتب المهمة التى أرخت لهذا الحدث كتاب « 4 فبراير فى تاريخ مصر السياسى « للدكتورمحمد أنيس الذى يقول: إن حسين سرى باشا قدم استقالة وزارته فى 2 فبراير، وينقل عن د. محمد حسين هيكل باشا أن الملك فاروق استدعى قادة الأحزاب السياسية فى محاولة لتشكيل وزارة ائتلافية، وكانوا جميعاً مؤيدين للفكرة باستثناء مصطفى النحاس باشا الذى رفض فكرة الوزارة الائتلافية برئاسته لأنها تحول دون انفراد حزب الوفد الذى له الأغلبية بالبرلمان بأحقية الحكم، فطلبت بريطانيا من سفيرها «مايلز لامبسون « التلويح باستخدام القوة ضد الملك !
ونستخلص من مذكرات السفير « مايلز لامبسون « أنه طلب مقابلة رئيس الديوان الملكى أحمد حسنين باشا صباح 4 فبراير 1942، وسلمه إنذارًا للملك فاروق هدده فيه بأنه إذا لم يعلم قبل السادسة مساءً أنه قد تم تكليف مصطفى النحاس باشا بتشكيل الحكومة، فعليه أن يتحمل تبعات ما سيحدث. وكان السفير جادًا فى الإنذار بتولية ولى العهد الأمير محمد على توفيق الذى كان يحلم باعتلائه العرش، وتستوجب الأمانة التأكيد على أن مصطفى النحاس باشا رفض الإنذار البريطانى واعترض على إقحام اسمه فى هذا الإنذار، وإنقاذاً للموقف يقبل تأليف الوزارة إذا طلب الملك منه ذلك، وأكد أنه لا يتلقى أمراً بتأليف الوزارة إلا من الملك، وحذر بأنه يشم رائحة الخطر فى صيغة الإنذار !
ونستخلص من مذكرات حسين حسنى السكرتير الخاص للملك فاروق أن أحمد حسنين باشا تلقى قبل 4 فبراير بأيام معلومات من الصحفى مصطفى أمين طلب سرعة نقلها للملك لأنه علم من مصدر موثوق أن اجتماع السفارة البريطانية ضم قادة عسكريين وكبارالمسئولين البريطانيين الذين علموا بأن الملك فاروق عازم على إنهاء الأزمة السياسية بإسناد رئاسة الوزارة إلى على ماهر باشا، فتم الاتفاق بينهم على منع ذلك ولو استدعى الأمر لاستخدام القوة وعزل الملك، وأبلغ حسين حسنى الصحفى مصطفى أمين بأن الملك أخبره أنه لا مجال للتفكير فى على ماهر، لأنه يفكر فى تشكيل حكومة ائتلافية لا تكون الأغلبية فيها للوفد، لكن السفيرلامبسون التقى بأحمد حسنين باشا وأبلغه برسالة شفوية تقول سطورها : « ما لم أسمع قبل الساعة 6 مساء اليوم بأنه تم تكليف النحاس بتشكيل الحكومة، فإن جلالة الملك عليه أن يتحمل العواقب» !!
ووضع لامبسون خطة محاصرة قصر عابدين بالدبابات وإجبار الملك على التنازل إذا لم يذعن وينفذ هذا الإنذار قبل الساعة 6 مساء، وتم تكليف الجنرال « ستون « بالتجهيز لتنفيذ الخطة التى كان ضمن بنودها أنهم سوف يأخذون الملك معهم بعيداً سواء تنازل عن العرش أو لم يتنازل، ووضع لامبسون وثيقة التنازل عن العرش فى جيبه، ورفض زعماء الأحزاب والسياسيين الإنذار واتفقوا على تأليف وزارة قومية برئاسة النحاس الذى رفض الفكرة، فوقعوا جميعاً على احتجاج يقول نصها : « إن فى توجيه التبليغ البريطانى اعتداء على استقلال البلاد ومساساً بمعاهدة الصداقة، ولا يسع الملك أن يقبل أن يُمس استقلال البلاد ويخل بأحكام المعاهدة « .
ولكى لا نطيل فى سرد الأحداث المتسارعة تم حصار قصر عابدين بالدبابات البريطانية وامتلأت ردهات القصر والطرق المحيطة به بجنود الاحتلال، ودخل لامبسون والجنرال ستون مكتب الملك رغم اعتراض الحرس، انزعج الملك عندما بدأ لامبسون يهدد بعدم تنفيذ الإنذار وهو يقول: «أريد إجابة الآن يا جلالة الملك، هل جوابك بنعم أم لا «، وعندما حاول الملك الخروج عن الموضوع، قال لامبسون: «يا صاحب الجلالة الموقف فى غاية الخطورة وأنا أعتبر ذلك رداً بالنفى وطبقاً لمسئولياتى سوف أستمر فى تنفيذ مهمتى «، وتلا لامبسون الخطاب الذى كان قد أعُد فى السفارة البريطانية ونصه : « منذ زمن طويل كان واضحاً أن جلالتك تأثر بمجموعة المستشارين المحيطين بك، والذين لم يكونوا مخلصين فقط بالنسبة للتحالف مع بريطانيا بل ويعملون ضد هذا التحالف، ويساعدون العدو، ويشجعون جلالتك على ما يناقض المادة الخامسة من معاهدة التحالف التى تقضى بتعهد كل الأحزاب بألا يتخذوا موقفاً معادياً بالنسبة للبلاد الأجنبية، وبالإضافة إلى ذلك فإن جلالتك أحدثت أزمة خطيرة وغير ضرورية كرد فعل للقرار الذى اتخذته الحكومة المصرية السابقة استجابة للطلب الذى تقدم به الحليف «إنجلترا» والذى نصت عليه المادة الخامسة من معاهدة 1936»، وكل المحاولات التى جرت لتشكيل حكومة ائتلافية باءت بالفشل، ورفضتم تشكيل الحكومة برئاسة زعيم حزب الأغلبية مصطفى النحاس باشا الذى يتمتع بمكانة خاصة تجعله قادراً على ضمان استمرار تطبيق المعاهدة بروح الصداقة، ومثل هذا التهور وعدم تقدير المسئولية يعرض أمن وأمان مصر والقوات الحليفة الموجودة بالعاصمة للخطر» ! وقدم لامبسون للملك وثيقة التنازل عن العرش التى تقول سطورها : «نحن فاروق ملك مصر، تقديراً منا دوماً لمصالح دولتنا، فإنى بموجب هذا أتخلى وأتنازل بالنيابة عن أنفسنا وورثتى عن عرش مملكة مصر، وعن جميع حقوق السيادة والامتيازات والصلاحيات فى المملكة المذكورة وبشأن رعاياها، وأننا نعفى رعيانا من ولائهم لشخصنا « ! وأوشك الملك أن يوقع على الوثيقة، لكن أحمد حسنين باشا تحدث معه باللغة العربية حديثاً لم يعيه لامبسون، وبعد لحظات من التوتر قال الملك لمايلز لامبسون : « أما من فرصة أخرى تٌعطى لى ؟ «، فقال لامبسون: « أعرف اقتراحك بالتفصيل «، فقال الملك : « أنا مستعد أن أستدعى النحاس باشا لتكليفه بتشكيل الوزارة وله حرية اختيار تشكيلها «، فقال لامبسون: « موافق بشرط أن يتم التنفيذ فوراً «، وحاول الملك برغم آلامه النفسية أن يتظاهر بالود والبشاشة و شكر لامبسون على أنه دائماً ما يحاول مساعدته، وغادر لامبسون والجنرال ستون القصر وانسحبت القوات وظلت منتظرة خارج القصر، واتصل أحمد حسنين باشا بمايلز لامبسون قائلاً: « لا تزال الدبابات تحاصر القصر وتمنع أى قادم إليه من الدخول حتى النحاس باشا نفسه لا يستطيع الدخول إلا إذا تم سحب تلك الدبابات»، فصدرت التعليمات بعودة الدبابات إلى مواقعها، وكان الملك فاروق لايطيق لامبسون الذى كان لا يطيق فاروق وظل نادماً لأنه لم يجبره على التنازل عن العرش فى 4 فبراير 1942.
عاطف النمر

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







