مناخ زون| الغابات المنسية.. كنوز بيئية خارج دائرة التمويل العالمي

صورة موضوعية
صورة موضوعية


كشفت تقارير صحفية ودراسات علمية حديثة عن عالم خفي من الرقع الغابية الصغيرة حول العالم، والتي عرفت باسم «الغابات المنسية»، ورغم صعوبة تحديد مواقعها في الخرائط الكبرى إلا أنها تؤدي دورًا محوريًا في حماية التنوع البيولوجي، فضلًا عن أنها تشكل موطنًا لأنواع نادرة من النباتات والحيوانات، بالإضافة إلى مساهماتها في مكافحة التغير المناخي وإحياء مناطق بيئية متدهورة.

وبينما تحظى الغابات الاستوائية الكبرى مثل الأمازون وغابات جنوب شرق أسيا باهتمام إعلامي وتمويلي كبير باعتبارها «رئة العالم»، تبقى الغابات المنسية خارج دائرة الضوء، رغم ما تمثله من أهمية بيئية هائلة لا تقل قيمة عن نظيراتها.

وُترجع التقارير أن هذا التهيش إلى عوامل تتعلق بضيق رقعتها، وتشتت مواقعها، إلى جانب غياب البيانات الميدانية الكافية ومحدودية التمويل المخصص لها مقارنة بالغابات الأخرى.
بريطانيا.. الغابات المعتدلة تواجه التدخلات البشرية
وفي بريطانيا، تعد الغابات المعتدلة من بين أكثر الموائل الطبيعية  ندرة في البلاد، إذ كانت تغطي سابقًا نحو 20% من أراضي الساحل الغربي لكنها تقلصت بشدة خلال القرون الماضية نتيجة لقطع الأشجار، وتوسع الزراعة، والتدخلات البشرية الأخرى، وباتت اليوم تشكل أقل من 1% من مساحة إنجلترا وموزعة على بقاع متناثرة.
ووفق ما جاء في البوابة الرسمية للحكومة البريطانية، تسعى الدولة إلى حماية أكثر من 30% من الأراضي ذات القيمة البيئية بحلول عام 2030, بما يضمن تعزيز مساهماتها في تخزين الكربون والحد من الفيضانات، وتهدف استراتيجية الحكومة إلى استعادة الغابات المطيرة والمناطق الحيوية ذات التنوع البيولوجي لتعزيز قدرتها على الاستدامة البيئية، وخصصت الحكومة في هذا الإطار ما يقرب من 17 مليون جنيه إسترليني لدعم إدارة الغابات وحمايتها، إلى جانب استثمارات وصلت إلى 38 مليون جنيه إسترليني لتعزيز جهود التوسع الطبيعي للغابات. 

أفريقيا.. الكونغو في مصف الغابات المنسية
وفى أفريقيا، تبرز غابات حوض الكونغو كأحد أبرز النظم البيئية في العالم من حيث التنوع البيولوجي وخدمات النظام البيئي، إلا أن التمويل الذي تتلقاه لايزال متواضعًا مقارنة بدورها، ما وضعها في مصف «الغابات المنسية» من حيث الدعم الدولي.
 وتبلغ نسبة التمويل المخصصة لغابات حوض الكونغو - ثاني أكبر غابة استوائية في العالم - نحو 16% من إجمالي التمويل العالمي للغابات المطيرة وفق تقرير لصحيفة ا«لجارديان»، وأبرز تقرير أخر للصحيفة ذاتها أن  الغابات الأفريقية فقدت قدراتها بشكل كبير على امتصاص الكربون منذ عام 2010، وبدأت تتحول تدريجيًا من خزان للكربون إلى مصدر لإنبعاثاته، الأمر الذي يبرز أهمية توسيع برامج الحماية الدولية لتلك الغابات.
ومن جهتها، أصدرت منظمة «BirdLife International» تقريرًا يرصد رقع الغابات الصغيرة في القارة الأفريقية، والتي لا تظهر في صور الأقمار الصناعية، رغم كونها تحوي تنوع بيئي هائل وتلعب دورًا أساسيًا في حماية النظم البيئية، ووفق موقع منظمة « Mongabay» الأمريكية المعنية بالقضايا البيئية، فإن تلك الغابات توفر موطنًا للعديد من الكائنات المهددة بالإنقراض، ويؤكد أن نقص التمويل المخصص لها يعد السبب الرئيسي وراء تجاهلها، ما يعرضها لمخاطر قطع الأشجار والزحف البشري.
وأشار تقرير صادر عن البنك الدولي إلى أن القيمة السنوية للخدمات البيئية التي تقدمها هذه الغابات يصل إلى 1.15 تريليون دولار، في حين تحصل الدول الست التي تقع بداخلها تلك الغابات على نحو 8 مليار دولار من تلك العائدات، غالبيتها من أنشطة غير مستدامة، ويُعزى إهمالها إلى ضعف سوق الكربون والبنية التحتية للاستثمار الأخضر.
في السياق ذاته، أفادت منظة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، بأن غابات الكونغو فقدت نحو 10% من مساحتها منذ عام 1990، رغم قدرتها العالية على تخزين الكربون والتي قد تصل إلى 1.5 مليار طن سنويًا، وتوضح بأن نقص البيانات الميدانية أضعف من التمويل الدولي الموجه لتلك الغابات مقارنة بغابات الأمازون.
وبحسب تقرير COP26، جري التعهد بتقديم 1.5 مليار دولار لحماية غابات وسط أفريقيا، ما يمثل أقل من 10% من الاحتياجات الفعلية، وأشارت التقارير إلى أن الأمازون، والغابات الواقعة في جنوب شرق أسيا يحصلان على الحصة الأكبر من التمويل، بينما غابات الكونغو تتلقي تمويل غير مستدام بسبب عدم الاستقرار السياسي وصعوبة تنفيذ مشروعات طويلة الأمد.

أمريكا الوسطى.. المايا رهينة محدودية المنح
وفي أمريكا الوسطى، تواجه غابة المايا - ثاني أكبر غابة استوائية في الأمريكتين - إهمال كبير أدى إلى تدهور نتيجة التوسع في الزراعة وتربية الماشية، وتتمثل المأساة الحقيقية لتلك الغابات في الفجوة التمويلية، إذ تظل رهينة لمنح محدودة وغير مستدامة تقدمها منظمات غير حكومية، في وقت تحظى نظيراتها بتمويلات سيادية ضخمة.
ويرجع هذا الإهمال إلى تعقد الجغرافيا السياسية، خاصة وأن غابة المايا كيانًآ عابرًا للحدود، إذ تتقع بين دول المكسيك وجواتيمالا وبليز، ما جعل التنسيق بشأنها يمثل «كابوسًا بيروقراطيًا»، إذ تضيع المسؤولية بين الدول الثلاث، ما يترك الغابة بلا حماية مركزية أو تمويل مستدام.
وأشار تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة «UNEP» إلى أن العالم يحتاج إلى رفع تمويل الغابات السنوي إلى نحو 300 مليار دولار بحلول عام 2030 إذا أراد الاستفادة من إمكانتها في مواجهة تغير المناخ والحفاظ على التنوع البيولوجي، ويقدر التقرير الفجوة المالية بين التمويل الحالي والحاجة الفعلية بنحو 216 مليار دولار سنويًا، بالإضافة إلى أن حصة التمويل الموجه لحماية الغابات لا تمثل سوى جزء صغير من إجمالي تمويل المناخ العالمي، ما يعكس استمرار تهميش تلك الغابات رغم أهميتها البيئية والمناخية الكبرى.