في أعماق جبال ولاية فرجينيا الغربية، حيث تنقطع السبل ويخيم الصمت، يقع منزل متهالك تفوح منه رائحة الغموض، تسكنه العائلة التي صدمت العالم ليس بفقرها، بل بتعاملاتها التي خرجت عن حدود المنطق البشري، فلا يسمع منهم سوى نباح وصريخ حاد، وصيحات غير مفهومة.
عائلة "ويتيكر"؛ لا يتحدثون بالكلمات، بل يتواصلون عبر "النباح" والصرخات، في مشهد يبدو وكأنه من فيلم رعب سينمائي، لكنه واقع مأساوي صنعته الجينات، وأقره الزمن الذي محى لغتهم وحول حياتهم لكابوس.

تعيش هذه العائلة في أمريكا، على بعد 75 ميلاً من تشارلستون، وبدأ زواج الأقارب من الأخوين التوأم المتطابقين، "هنري وجون"، حيث تزوج أبناؤهما من بعضهم البعض، واحدة من أغرب القصص والعائلات التي انتشرت خلال الفترة الأخيرة وجذبت أنظار العالم نحوها، نظرًا للحالة الغريبة التي يعيشها أفراد هذه العائلة التي تعاني دائمًا من إنجاب أطفال من ذوي الإعاقات الذهنية والجسدية، لذلك صب الاهتمام على هذه العائلة كونها واحدة من العائلات المختلفة والتي تتعايش على الرغم من الأحداث.
بدأت الحكاية عندما قرر المصور الأمريكي مارك لايتا، اقتحام عزلة بلدة "أود"، لم يكن يتوقع أن يجد بشراً بملامح مشوهة بشكل مخيف، عيون متباعدة، فكوك غير متناسقة، وقدرات عقلية تعود بهم إلى سن الطفولة الدائمة.

بدا الاستقبال مرعباً؛ حيث بدأت أفراد العائلة بالنباح والجري في كل مكان بمجرد رؤية الغريب، في رد فعل غريزي يشبه سلوك الكائنات التي تعيش في الغابة.
حقيقة طبية مؤلمة تقف خلف هذه الملامح ، فعائلة ويتيكر هي نتاج لزواج الأقارب الذي استمر لأجيال، وتحديداً من زواج أبناء عمومة كانت جيناتهم تحمل تشوهات كامنة، انفجرت في الأبناء والأحفاد، طبياً، هذا ليس مجرد تخلف عقلي، بل هو تدمير شامل للجهاز العصبي ومركز الكلام ناتج عن "زواج الأقارب المتسلسل"، حيث تجمعت الجينات المتنحية لتخلق بشراً بقدرات بدائية.
أنجب هاري وزوجته سالي سبعة أطفال، كان من بينهم "جون إيسوم ويتاكر"، الذي ولد عام 1882، ووقع جون في حب "آدا ريج"، ابنة عمه الأولى، واستمر الثنائي في الإنجاب لينجبوا تسعة أطفال، كانت بينهم ابنتهما "جرايسي إيرين ويتاكر" التي ولدت في عام 1920.
عندما كبرت جرايسي، تزوجت من ابن عمها، “جون إيموري ويتاكر”، في عام 1935، وأنجبا معاً 15 طفلاً، وبشكل مأساوي، عانى العديد من أطفالهم من إعاقات جسدية وعقلية شديدة، يُعتقد أنها كانت نتيجة زواج الأقارب.
تعيش عائلة ويتيكر في منزل متهالك يفتقر لأدنى سبل الحياة الكريمة، يحيط بهم الجيران الذين يمنعون أي غريب من الاقتراب منهم، حماية لخصوصيتهم أو ربما لإخفاء سرهم، فهم لا يستطيعون نطق كلمة واحدة، ويكتفون بإصدار أصوات حادة وحركات جسدية غريبة للتعبير عن الجوع أو الخوف.

من أغرب تفاصيل القصة موقف جيران عائلة "ويتيكر"، الذين كانوا يهددون أي شخص يقترب من المنزل بالسلاح، ليس فرضا للسطوة، بل حماية لهذه العائلة من سخرية العالم وتنمر السياح الذين كانوا يأتون لمشاهدتهم وكأنهم في حديقة حيوان بشرية.
"إنهم لا يفهمون أنهم مختلفون، هم فقط يعيشون بما تبقى لهم من إنسانية"، هكذا وصفهم مارك لايتا في أحد لقاءاته، والذي كشف تصويره لهم أنهم رغم ملامحهم التي تثير الخوف والشفقة في آن واحد، يحبون بعضهم، ويحزنون لفراق أحدهم، يفرحون بقطعة حلوى، ويضحكون بصدق طفولي، فهم ضحايا جهل اجتماعي وعزلة جغرافية حولت مسار تطورهم البشري إلى طريق مسدود.
وتظل عائلة "ويتيكر" الدرس الأقسى في تاريخ علم الوراثة الحديث، إنهم ليسوا "رفقاء الكلاب" ولا "وحوش الجبال"، بل هم ضحايا عزلة جغرافية واجتماعية جعلتهم ينسون لغتهم ويعودون إلى النباح، كصرخة أخيرة للبقاء.

حكايات مصرية خالدة.. كيف حفظ الزمن رسالة ابن لوالده لآلاف السنين؟
«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية







