الفرق الجوهرى هنا لا يكمن فى وجود جرائم بشعة على جزيرة تورط بها أصحاب نفوذ إنما طريقة التعامل معها. فى الغرب
تذكرنى قضية «جيفرى إبستين» بفضيحة سجن أبو غريب إبان الغزو الأمريكى للعراق. وقتها أدانت الشعوب العربية بشاعة الصور، واعتبرتها دليلًا دامغًا على انحطاط أخلاقى وسياسى غربي. لكن قليلين فقط توقفوا أمام سؤال أكثر إزعاجًا من مشاهد التعذيب: كم من سجوننا العربية تمارس فيها أفعال مشابهة أو أسوأ، دون أن تخرج صورة واحدة إلى العلن أو يُسمح لصحيفة بنشر تحقيق، أو حتى تلميح عما يحدث؟
فضيحة إبستين بدورها لم تفضح مزاعم التفوق الأخلاقى للحضارة الغربية، بل كشفت أيضًا هشاشة خطابنا الأخلاقي.
ففى الوقت الذى أتاح فيه النظام الأمريكى -بكل تناقضاته- مساحة للكشف والمساءلة والمراجعة، ما زلنا فى مجتمعاتنا نتعامل مع بعض مشاكلنا بمقاربات تتراوح بين الصمت، أو الإنكار وربما التبرير.
استغل البعض قضية «إبستين» لمحاولة تحقيق انتصار وهمى للأخلاق الشرقية والمجتمعات العربية والإسلامية فى تجاهل لحقيقة أكثر إيلامًا وهى أن مجتمعات عربية كثيرة لا تزال تشهد ممارسات تجاه الفتيات لا تقل بشاعة عن جريمة استغلال القاصرات فى جزيرة «إبستين»، من جريمة زواج الأطفال إلى سبى النساء فى مناطق الحروب بجانب جرائم أخرى عديدة تتراوح بين ختان الإناث أو العنف المنزلى أو الحرمان من التعليم أو العمل والقائمة تطول وجميعها لا تجد إدانة مجتمعية صريحة بل تجد فى أحيان كثيرة من يغلفها بنصوص وتأويلات دينية تُستخرج من بطون الكتب فى محاولة لتحصينها من النقد الاجتماعى وإغلاق سبل المراجعة الأخلاقية لها مما يعرقل جهود مواجهتها.
الفرق الجوهرى هنا لا يكمن فى وجود جرائم بشعة على جزيرة تورط بها أصحاب نفوذ إنما طريقة التعامل معها. فى الغرب، لا وجود لرموز سياسية أو دينية محصنة من النقد.
ولا أفكار غير القابلة للمساس لذلك هناك ثمة أمل بكشف الجرائم أو إعطاء بعض الحق البسيط للضحايا، حتى وإن تأخر العدل أو تعثر فى مواجهة أصحاب النفوذ أو أثبت الغرب إنه لا يستطيع تحقيق العدالة الكاملة. أما مجتمعاتنا العربية، فكثيرًا ما تُدفن الجرائم مرتين.. مرة عند وقوعها ثم مرة أخرى حين يُمنع الحديث عنها، أو يُعاد تعريفها باعتبارها عادات أو أحكام شرعية أو خصوصية ثقافية.
إن إدانة أخلاق الغرب، فى ضوء فضيحة إبستين، لا معنى لها إذا لم تكن مصحوبة بشجاعة النظر إلى مشكلاتنا الداخلية وتعريتها بنفس القوة والضجيج. فأخلاق المجتمعات لا تُقاس بعدد الفضائح، بل بقدرة هذه المجتمعات على مواجهتها، والاعتراف بها، والسعى إلى محاسبة المسؤولين عنها، مهما كانت مواقعهم.
ربما تكون هذه الجزيرة بكل الشر الذى حدث عليها فرصة نادرة، لا لإدانة الحضارة الغربية بل لمراجعة أنفسنا والتحلى بشجاعتهم فى مواجهة الأخطاء. فالمجتمعات التى تمتلك شجاعة الفضح والممانعة، تظل أقرب إلى التعافى من تلك التى تفضل تبرير الجرائم أو البحث فى بطون الكتب لتأصيلها.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







