مغامرة صحفية مع «الروبوتاكسى»

سيارات ذاتية القيادة تتبع القواعد.. تحترم المشاة ولا تصدر ألفاظاً نابية

 «الأخبار» فى سان فرانسيسكو من داخل «الروبوتاكسى»
«الأخبار» فى سان فرانسيسكو من داخل «الروبوتاكسى»


فى سان فرانسيسكو الأمريكية، لم تعد المنافسة بين سائق وسائق، بل بين إنسان وآلة، أهم ما يميزها أنها لا تصدعك بالحكى عن همومها، ولا تطلب منك بقشيشاً، سواء تلميحاً أو تصريحاً، لا تشتكى من الزحام أو حالة الطقس طمعاً فى أجرة أكثر.. بينما يقف سائق أوبر منتظرًا طلبًا قد يأتى أو لا يأتى، تمر بجواره سيارة Waymo بهدوء بارد، ليس لها عينان ولا أعصاب، تلتزم بالقانون أكثر من رجال المرور أنفسهم. سيارة لا تعرف القلق من الأقساط السنوية، ولا تفكر فى عمل إضافى بعد انتهاء «نبطشيتها»، بينما يعتمد آلاف السائقين على أوبر كمصدر رزق أساسى أو كطوق نجاة بعد يوم عمل طويل. 

 يبدو أن العجلة لا تدور فقط على الأسفلت، بل فوق وظائف، وأحلام، ونموذج حياة كامل كان يعتمد على عجلة قيادة بشرية. المؤكد أن سان فرانسيسكو مجرد بداية سوف ينتشر بعدها «الروبوتاكسى» فى كل المدن الأمريكية، ثم فى العالم كله، والذى أصبح عدد لا يستهان به من سكانه يعتمدون على أوبر كعمل أساسى، أو حتى إضافى لزيادة الدخل.


 وفقًا لآخر الإحصائيات، يعمل على منصة أوبر حوالى ٢٠ مليون سائق بالعالم، منهم ٨ ملايين فى أمريكا وحدها، وحوالى مليون فى مصر.. وأوضحت الإحصائيات أن سائقى أوبر عالمياً يسجلون حوالى ٦٠ مليار دولار سنوياً، من خلال ١٥ مليار رحلة.


لفتت نظرى تلك السيارات ذاتية القيادة التى تجوب الشوارع ليل نهار بلا سائقين، أخذت أراقبها وهى تتحرك بدقة متناهية، تتوقف عند الإشارات وتفسح الطريق للمشاة، ولا تستخدم الكلاكس، ولا يصدر عنها أية إشارات أو ألفاظ نابية، حتى لو أنت ضايقتها بسيارتك، أو كما نقول فى مصر «كسرت عليها».


كصحفى، وجدت نفسى أمام تجربة فريدة لا يمكن مقاومتها.. قمت بتنزيل التطبيق، وضغطت طالباً سيارة بلا سائق، أرسلت اللوكيشن من أمام الفندق الذى أقيم فيه، واخترت محطة قطارات سان فرانسيسكو كجهة أرغب فى الوصول إليها. انتظرت دقائق قليلة، ثم جاءت السيارة لتقف أمامى بلا تحية ولا ابتسامة سائق. جلست فى المقعد الخلفى، لا لأستريح، بل لأراقب كيف تقود الخوارزميات مدينة كاملة، وكيف تتحول الشوارع إلى مختبر مفتوح للتكنولوجيا. بين الدهشة والقلق، وبين الإعجاب والخوف، بدأت الرحلة التى لا تكشف فقط عن مستقبل النقل، بل عن مستقبل العمل والإنسان، ودوره فى عالم تقوده الماكينات والتطبيقات.. التطبيق يعطيك خيار الطلب والموقع والوجهة فقط، أما القيادة فهى تلقائية بالكامل. وهذا يوفر شعورًا غريبًا لاختبار التكنولوجيا الجديدة، لكنه يزيل أى دور للسائق البشرى داخل السيارة.
كان مقعد السائق فارغًا، لكن شاشة كبيرة أمامى تظهر خريطة الطريق وحالة السيارة فى كل لحظة، نظام التهوية داخل السيارة كان منضبطاً، مع نظام ترفيهى وصوت ناعم يعلن بدقة كل خطوة فى الرحلة والتوقف عند الإشارات، وعندما اقتربت السيارة من المشاة أو الدراجات توقفت فوراً بكل سلاسة، وبدون «كلاكس» مزعج يُربك السائقين الآخرين، بل بتمهل وتقدير للمساحة الآمنة.
يعتقد الخبراء أن السيارات الذاتية ستتوسع تدريجيًا عبر المدن الكبرى فى أمريكا وأوروبا وآسيا، لكنها لن تصبح بديلاً كاملاً لجميع السيارات التقليدية فى غضون سنوات قليلة.
أما من ناحية السلامة، فالإحصاءات الأولية تشير إلى أن الأنظمة الذاتية قد تكون قريبة من أو حتى أكثر أمانًا من السائق البشرى فى بعض الحالات.
تختلف تكلفة «الروبوتاكسى» بحسب ساعة الذروة والطلب، فى تجربتي، كانت التكلفة أكبر بكثير من سيارة أجرة تقليدية فى سان فرانسيسكو، وأغلى قليلًا من استخدام المترو أو الباصات، لكنها بلا شك أقل تكلفة من خدمات الليموزين الفاخرة.
وصلت السيارة بسلام إلى وجهتى، لكن ظلت تساؤلات كثيرة تدور فى رأسي، فالسيارات ذاتية القيادة ليست مجرد وسيلة نقل، بل هى اختبار لقدرة الإنسان على إعادة تعريف التنقل نفسه، بين مخاوف من فقدان الوظائف وتطلعات لنقل أكثر أمانًا وكفاءة.