كيف يواجه العالم أخطر تقنيات العصر؟

مستشار الأمن السيبراني: الذكاء الاصطناعي بين الثورة والمخاطر.. خاص

د. محمد محسن رمضان، خبير الذكاء الاصطناعي ومستشار الأمن السيبراني
د. محمد محسن رمضان، خبير الذكاء الاصطناعي ومستشار الأمن السيبراني


في خضمّ الثورة الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم في القرن الحادي والعشرين، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه القوة الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل بنية المجتمعات الحديثة، وإعادة تعريف مفاهيم العمل والتعليم، بل وأنماط الصراع والحروب ذاتها. ولم يعد التساؤل حول الذكاء الاصطناعي مطروحًا باعتباره افتراضًا فلسفيًا أو خيارًا تقنيًا مؤجلًا، بل تحوّل إلى سؤال وجودي ملحّ: هل ما زال الإنسان يملك زمام السيطرة على هذه التكنولوجيا، أم أن الذكاء الاصطناعي بدأ، بصورة تدريجية، في إعادة صياغة قراراته وسلوكياته وحدود وعيه؟

وفي حوار خاص لبوابة أخبار اليوم يقول،  د. محمد محسن رمضان، خبير الذكاء الاصطناعي ومستشار الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية:  نحن أمام واقع عالمي قائم على توازن دقيق بين فرص غير مسبوقة وتهديدات متصاعدة، واقع يفرض على صانعي السياسات، وخبراء الأمن، والمؤسسات الدولية، بل وعلى الأفراد أنفسهم، مستوى عاليًا من الوعي واليقظة والمسؤولية. فالذكاء الاصطناعي لم يعد حكرًا على المختبرات البحثية أو حكرًا على الشركات التكنولوجية العملاقة، ولم يعد مجرد مفهوم نظري يتردد في الأوساط الأكاديمية، بل أصبح جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية، يتغلغل في أدق تفاصيلها؛ من الهواتف الذكية ومنصات التواصل، إلى غرف العمليات الطبية، ومن غرف الأخبار وصناعة الرأي العام، إلى منظومات الأمن والدفاع القومي.


وأضاف ، مع هذا الانتشار المتسارع، يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه كأحد أخطر وأهم التحديات التي تواجه العالم المعاصر. فخطورة هذه التكنولوجيا لا تنبع فقط من قدراتها الخارقة على التحليل والتعلّم واتخاذ القرار، بل من حجم المخاطر الكامنة في سوء استخدامها، أو في غياب الأطر القانونية والأخلاقية الحاكمة لتطويرها وتوظيفها. وفي جوهره، يقوم الذكاء الاصطناعي على محاكاة أنماط التفكير البشري من حيث التحليل والاستنتاج والتعلّم الذاتي، ما منحه قدرة غير مسبوقة على معالجة كميات هائلة من البيانات، واستخلاص أنماط معقدة، والتنبؤ بسلوكيات مستقبلية بدقة متزايدة.


وقال خبير الذكاء الاصطناعي ومستشار الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية: هذه القدرات جعلت من الذكاء الاصطناعي محرّكًا رئيسيًا للاقتصاد الرقمي، وأداة فعّالة لتحسين جودة الخدمات، ورفع كفاءة المؤسسات، وتسريع الابتكار في مختلف القطاعات. غير أن الوجه الآخر لهذه الثورة التقنية يكشف عن تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى سلاح رقمي بالغ الخطورة عندما يُستخدم دون ضوابط، أو يقع في الأيدي الخطأ، ليصبح عامل تهديد مباشر للأمن القومي، والخصوصية الفردية، والاستقرار المجتمعي، بل ولمفهوم السيطرة الإنسانية ذاته في عصر تتسارع فيه التكنولوجيا بوتيرة تفوق قدرة التشريعات والوعي الجمعي على اللحاق بها..


وأضح ، أحد أخطر أوجه المخاطر يتمثل في الجرائم الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد الهجمات السيبرانية تعتمد على مجهود بشري محدود أو أدوات تقليدية، بل أصبحت تُدار بواسطة أنظمة ذكية قادرة على التعلم والتكيف وتطوير أساليب الهجوم بشكل مستمر. الذكاء الاصطناعي اليوم قادر على تصميم هجمات تصيّد إلكتروني شديدة الإقناع، تحاكي الأسلوب البشري بدقة تجعل من الصعب على المستخدم العادي، بل أحيانًا المحترف، التفرقة بين الرسائل الحقيقية والمزيفة. كما أصبح قادرًا على تحليل سلوك الضحايا نفسيًا ورقميًا، واستهدافهم في التوقيت والنقطة الأضعف، ما يرفع نسب نجاح عمليات الاحتيال والاختراق بشكل غير مسبوق.
ولا يقل خطر التزييف العميق خطورة عن الجرائم الإلكترونية التقليدية، إذ يمثل هذا النوع من التقنيات تهديدًا مباشرًا لمفهوم الحقيقة ذاته. فبفضل الذكاء الاصطناعي، بات من الممكن إنتاج مقاطع فيديو وتسجيلات صوتية وصور مزيفة لأشخاص حقيقيين تبدو واقعية إلى حد يصعب معه كشف التلاعب. هذا التطور لا يهدد الأفراد فقط من حيث السمعة والابتزاز، بل يمتد أثره إلى المؤسسات والدول، حيث يمكن استخدامه في بث الشائعات، وزعزعة الاستقرار، والتأثير على الرأي العام، وتشويه الحقائق في أوقات الأزمات والانتخابات والنزاعات.
ومع اتساع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات، تبرز إشكالية خطيرة تتعلق بانتهاك الخصوصية والمراقبة الرقمية. فالأنظمة الذكية قادرة على تتبع السلوكيات، وتحليل الوجوه، وربط البيانات الشخصية عبر منصات متعددة، ما يسمح ببناء ملفات رقمية دقيقة عن الأفراد دون علمهم أو موافقتهم. وفي ظل غياب تشريعات واضحة أو ضعف آليات الرقابة، قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة مراقبة جماعية تهدد الحقوق والحريات، وتفتح الباب أمام الاستغلال والابتزاز وسوء استخدام السلطة.
أما على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، فإن الذكاء الاصطناعي يفرض تحديًا لا يقل تعقيدًا يتمثل في إعادة تشكيل سوق العمل. فمع التوسع في الأتمتة والاعتماد على الأنظمة الذكية، تواجه ملايين الوظائف التقليدية خطر التراجع أو الاختفاء، ما يخلق فجوة رقمية واجتماعية بين من يمتلكون المهارات المستقبلية ومن يجدون أنفسهم خارج منظومة الإنتاج. هذا التحول السريع، إذا لم يُدار بسياسات واعية وبرامج إعادة تأهيل فعالة، قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية وأمنية لا تقل خطورة عن التهديدات الرقمية.
في مواجهة هذه المخاطر، بدأ العالم يدرك أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يترك لمنطق السوق أو التطور التقني وحده، بل يتطلب تدخلًا تشريعيًا وتنظيميًا واضحًا. عدد من الدول والكيانات الدولية اتجه إلى وضع أطر قانونية تهدف إلى تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، وتجريم توظيفه في الاحتيال والتزييف وانتهاك الخصوصية، مع التأكيد على مبادئ الشفافية والمساءلة والذكاء الاصطناعي المسؤول. إلا أن التحدي الحقيقي يظل في الفجوة الزمنية بين سرعة تطور التقنية وبطء سنّ القوانين، وهو ما يفرض ضرورة مراجعة مستمرة للتشريعات بدل الاكتفاء بنصوص جامدة.
في المقابل، أصبح الذكاء الاصطناعي نفسه جزءًا من منظومة الدفاع، حيث تعتمد عليه الدول والمؤسسات في تعزيز قدرات الأمن السيبراني، من خلال رصد الهجمات وتحليل الأنماط الخبيثة والتنبؤ بالاختراقات قبل وقوعها. وهنا يتجلى صراع خفي لكنه حاسم بين ذكاء اصطناعي هجومي تستخدمه الجماعات الإجرامية، وذكاء اصطناعي دفاعي تسعى الدول من خلاله إلى حماية بنيتها الرقمية وأمنها القومي.
على المستوى الوطني، تبرز الحاجة الملحة إلى تبني خارطة أمان شاملة تقوم على استراتيجية واضحة للذكاء الاصطناعي، تدمج بين التطوير والضبط، وتربط الأمن السيبراني بالسياسات العامة والتعليم وبناء القدرات البشرية. فالأمن الرقمي لم يعد شأنًا تقنيًا بحتًا، بل أصبح جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن القومي، وخط الدفاع الأول عن استقرار الدولة والمجتمع.
أما عالميًا، فإن طبيعة التهديدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تفرض تعاونًا دوليًا يتجاوز الحدود الجغرافية، من خلال تبادل المعلومات والخبرات، ووضع مواثيق دولية تنظم استخدام هذه التقنية، وتمنع توظيفها في زعزعة الاستقرار أو عسكرة الفضاء الرقمي خارج أي ضوابط أخلاقية أو قانونية. فالتهديد الرقمي لا يعترف بالحدود، والحماية الفعالة لا يمكن أن تكون فردية أو منعزلة.


ويقول د. محمد محسن رمضان: "في المحصلة النهائية، لا يمكن اختزال الذكاء الاصطناعي في كونه خطرًا أو فرصة، فهو في جوهره أداة تعكس وعي من يستخدمها، ونضج المنظومة التي تحكمها. التحدي الحقيقي أمام العالم اليوم لا يتمثل في تطوير خوارزميات أكثر ذكاء، بل في بناء وعي جماعي وتشريعي وأخلاقي قادر على توجيه هذه القوة الهائلة نحو خدمة الإنسان، لا تهديده. فإما أن يقود العالم الذكاء الاصطناعي بعقل رشيد ورؤية مسؤولة، أو يتركه يقود البشرية إلى فوضى رقمية تتآكل فيها الحقيقة، وتضيع فيها الحدود بين الواقع والزيف."

رئيس التنظيم والإدارة يشارك في الاجتماع الوزاري لمنتدى الإدارة الحكومية العربية