مولد سيدي أبو الحجاج الأقصري… تظاهرة دينية وتراثية تعزز المكانة السياحية للأقصر

مولد سيدي أبو الحجاج الأقصري
مولد سيدي أبو الحجاج الأقصري


وسط إجراءات تنظيمية وأمنية مشددة، وتوافد مئات الآلاف من الزائرين، تبقى الأقصر المدينة الوحيدة التي يلتقي فيها التصوف بالتاريخ الفرعوني في احتفال حيّ، لا يُعرض في المتاحف، بل يُمارس في الشوارع وفي مولد سيدي أبو الحجاج أحد أبرز الرموز الصوفية فى مصر يبدو أن المدينة لا تحتفل بشخص فقط، بل تحتفل بنفسها فالمسلم بجوار القبطى والزوار ضيوف على موائد أبناء المدينة والسياح عادة ما يسجلون بالكاميرا والفيديو والبث المباشر، لتؤكد المدينة مجددًا مكانتها كمركز للتنوع الحضاري والروحي.

    وتبلغ فعاليات المولد ذروتها في الليلة الختامية التي تُقام مساء اليوم الأحد التى  يعقبها عادة فى صباح اليوم التالى الموكب الحجاجي، أو ما يُعرف بين أبناء الأقصر بـ«الدورة الكبيرة»، حيث تتحول شوارع المدينة إلى ساحة احتفال كبرى تشارك فيها الطرق الصوفية، وأبناء العائلة الحجاجية، والمواطنون، وسط تنظيم دقيق وإجراءات مكثفة من الأجهزة التنفيذية والأمنية التى رأت عدم الإحتفال به هذا العام حفاظا على سلامة المواطنين  

اقرأ أيضا| جولة ميدانية شاملة بالأقصر| الأمين العام للآثار يتابع البعثات والاكتشافات ومشروعات الترميم الكبرى

 

البعد الديني والتاريخي

يمثل مولد سيدي أبو الحجاج مناسبة دينية ذات طابع صوفي خالص، تبدأ فعالياتها مع مطلع شهر شعبان من كل عام كما يقول السيد عبدالفتاح عبد الله الحجاجى رئيس مجلس إدارة جمعية الشباب الحجاجى وأحد أحفاد الشيخ وتشمل حلقات الذكر، وتلاوة القرآن الكريم، والإنشاد الديني، في أجواء روحانية تعكس القيم التي دعا إليها الشيخ، وفي مقدمتها المحبة والتسامح ونبذ التعصب.ويضيف أن سيدي أبو الحجاج من كبار أعلام التصوف في العالم الإسلامي، حيث قدم من العراق إلى مصر في أعقاب حكم صلاح الدين الأيوبي خلال النصف الثاني من القرن السادس الهجري، واتخذ من الأقصر منارة لنشر الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. وعاش الشيخ ما يزيد على تسعين عامًا، كرّسها للدعوة إلى الله، رافضًا المناصب والوظائف العليا، تاركًا أثرًا روحيًا عميقًا لا يزال حاضرًا في وجدان أبناء الصعيد.

الموكب الحجاجى

ويُعد الموكب الحجاجي أبرز مظاهر الاحتفال يتقدمه السادة الحجاجية ينشدون دلائل الخيرات وبردة البوصيرى  ومن الجمال تحمل الجمال كسوة مقام الشيخ ومن خلفها المراكب الخشبية المزينة يجرها الشباب فى موكب يطوف بأرجاء المدينة وبداخلها يتجمع الأطفال فرحين بالحدث في مشهد يستلهم احتفالات قدماء المصريين بأعياد الأوبت، ما يعكس استمرارية الطقوس الاحتفالية عبر العصور، ويمنح المولد خصوصية ثقافية نادرة تحظى بإهتمام  السائحين الأجانب، الذين يحرصون على توثيق فعالياته باعتباره تجربة ثقافية وإنسانية فريدة، تسهم في دعم السياحة الدينية والثقافية، وتعزز من مكانة الأقصر كمدينة نابضة بالحياة، لا تقتصر على آثارها الخالد

    ولا يملك السادة الحجاجية، ولا حتى المؤرخون، تفسيرًا دينيًا مباشرًا لهذا الطقس. لكن أغلب الباحثين يرون فيه صدى واضحًا لطقوس عيد الأوبِت، حين كان قدماء المصريين يحملون الزوارق المقدسة التي تضم تماثيل آمون وموت وخونسو، في موكب احتفالي ينطلق من معبد الأقصر إلى معابد الكرنك.اللافت أن المشهد المعاصر يكاد يتطابق مع المناظر المنقوشة على جدران المعابد، وكأن الذاكرة الشعبية للأقصر رفضت أن تنسى.

حين تتحرك الذاكرة الشعبية

  فالموكب الحجاجي يصعب اعتباره مصادفة كما يقول الدكتور منصور بريك مدير آثار الوجه القبلى الأسبق وأعتبره الراحل الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي، أستاذ الأدب الشعبي بجامعة القاهرة ومن احفاد الشيخ أنه يمثل " تراكمًا ثقافيًا انتقل عبر الأجيال، حتى وإن تغيّرت دلالاته الدينية"  وأنه "دليل حي على أن الطقوس لا تختفي، بل يعاد توظيفها"، موضحًا أن طريق المواكب الكبرى كان مسرحًا لهذه الاحتفالات لقرون طويلة، وأن الذاكرة الجمعية لسكان الأقصر احتفظت بشكل الاحتفال حتى بعد إغلاق الطريق وتغير العقائد ويفسر باحثون في علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) الظاهرة باعتبارها نموذجًا لما يُعرف بـالاستمرارية الثقافية، حيث تستمر المجتمعات في ممارسة طقوس قديمة داخل أطر دينية جديدة، دون وعي مباشر بأصولها الأولى.أما السبد عبد الفتاح عبد الله الحجاجى فيؤكد أن "المولد هنا ليس مجرد مناسبة دينية، بل طقس اجتماعي يعيد إنتاج هوية المكان"

عيد الأوبِت:

أحد أهم الأعياد الدينية في مصر القديمة  كان يُقام سنويًا في طيبة (الأقصر) يشهد مواكب زوارق مقدسة تحمل تماثيل آمون وموت وخونسو ينطلق من معبد الأقصر إلى معابد الكرنك عبر طريق المواكب الكبرى.

المفارقة:

الموكب الحجاجي يسير في المسار نفسه تقريبًا الزوارق تحمل كسوة مقام وليّ صوفي بدلًا من التماثيل الطقس واحد… والدلالة تغيّرت.