أحمد مراد
فى محاولة علمية وإعلامية جادة لفهم أسرار صناعة الإعلام الدولي، صدر للكاتب الصحفى الدكتور أسامة السعيد واحدة من أهم دراساته الإعلامية والسياسية، حملت عنوان «حروب الشاشات.. استراتيجيات الإعلام الدولية فى زمن الصراعات»، يحاول من خلالها أن يغوص فى كواليس صراعات الإعلام بكل أدواته التقليدية والرقمية، وكيف يُعاد رسم خارطة العالم فى غرف الأخبار والشاشات، وكيف تُدار العقول، وكيف تُسقط دول بضغطة زر على الشاشات المختلفة، وكيف تكون صناعة الهزيمة والانتصار فى عصر السيولة المعلوماتية.

اقرأ أيضًا | د. أسامة السعيد يكتب: في معية «إمام الطيبين»
يأتى كتاب «حروب الشاشات» فى توقيت بالغ الأهمية، لا سيما بعدما باتت الشاشات جزءاً من صناعة السياسة، وأداة من أدوات الحرب، بل باتت هى بحد ذاتها ساحة لحروبٍ لا تعرف الرحمة، وتنتحر فيها الشعوب بأيديها، وتُمزَّق وتُسقط الأوطان دون طلقة رصاص واحدة، وتُصنع من خلالها روايات تنتشر وتشيع وتوجه سلوك ملايين وربما مليارات حول العالم، مما يؤكد أن الحروب لم تعد تُحسم فى خنادق القتال فحسب، بل داخل جيوبنا وعبر شاشات هواتفنا، فقد انتهى زمن المدافع كخيار وحيد، وأصبحت الشاشة ميدان المعركة الأول.
ويرصد الكتاب ملامح وأبعاد صناعة بالمليارات تكمن خلف الشاشات، ومؤسسات تعرف جيداً كيف توظف وتستثمر ما يُطرح عبر منصات الإعلام العابرة للحدود، ومتلاعبون بالعقول يعرفون جيداً كيف يستخدمون باحترافية تلك الشاشات لخدمة أهداف موضوعة بعناية، ويأتى ذلك كله بهدف أن نفهم بعضاً مما يجرى وراء الشاشات، لأن ما خفى فى تلك الصناعة هائل الاتساع والضخامة.
فى السياق نفسه، يستعرض الدكتور أسامة السعيد فى كتابه المهم ركائز أساسية لخارطة طريق فكرية ترصد لحظة انتقال الإعلام من «القوة الناعمة» إلى «القوة الضاربة»، مما يجعله مرجعاً مهماً للمهتمين بصناعة القرار، والأمن القومي، وفلسفة التواصل فى عالم محكوم بصراع الصور والكلمات.
قضايا واستفسارات مُلحة
تتناول فصول الكتاب، الذى يقع فى 292 صفحة، العديد من القضايا الحيوية التى تجيب عن بعض الاستفسارات المُلحة، مثل من يملك الإعلام الدولي؟ فى محاولة لفهم أدوات الصناعة الهائلة ومسارات توظيفها، حيث يشير إلى هيمنة الشركات العاملة فى مجال الإعلام الجديد والمعلومات على المراكز الستة الأولى للشركات الأكبر و الأغنى عالمياً، وهو ما يؤكد أن اقتصاد المعرفة وصناعة المعلومات هو «نفط» الحاضر، وهو الثروة التى يعتمد عليها الأقوياء لتعزيز مكانتهم، الأمر الذى يجعل من الإعلام صناعة أكثر تعقيداً من مجرد اعتبارها مهنة أو أداة لنقل المعلومات، فقد أضُيفت إليها أبعاد اقتصادية تجعلها صناعة عالمية بكل المقاييس، وهو ما يزيد من حدة الضغوط التى تعانيها وسائل الإعلام الدولية، وتجعل العوامل المؤثرة على عملها أكثر عمقاً وتشابكاً.
وبحسب بعض التقديرات، بلغ حجم إيرادات صناعة الإعلام والترفيه العالمية نحو 2.9 تريليون دولار فى عام 2024. ومن المتوقع أن يستمر هذا القطاع فى النمو، ليصل إلى نحو 3.5 تريليون دولار بحلول عام 2029، ولم تعد المسألة مقصورة على شكل بعينه أو ممارسة محدودة من ممارسات وسائل الإعلام، بل بات هناك نوع من التكامل بين الشاشات، التى يمكن من خلالها إنتاج محتوى مقروء، أو مسموع ومرئي، أو رقمي، أو حتى تفاعلى عبر تقنياتٍ تكاملية تجمع بين مختلف أشكال الوسائط المتعددة، وباتت الشركات العاملة فى مجال الإعلام والمعلومات تملك منصاتٍ مختلفة قادرة على تقديم محتوى متكامل يصعب تصنيفه تحت مظلة شكل محدد من أشكال الإعلام.
حرب السرديات
ويتناول الكتاب أبعاد حرب السرديات من خلال استراتيجيات الإعلام الغربى فى معالجة الحرب على غزة، إضافة إلى الحديث عن الانحيازات السافرة من خلال اتجاهات الإعلام الغربى فى تغطية الحرب على غزة، موضحاً أن المنظومة الإعلامية الغربية لا تزال محكومة بكثير من القيود السياسية أو الثقافية (الاستشرافية) التى تحدد إلى حد بعيد نظرتها لقضايا الشرق الأوسط عموماً، وبالأخص قضية الصراع الإسرائيلى- الفلسطيني، إذ تبرز انحيازات سياسية وتاريخية ومهنية مُمنهجة على نحو لافت، وحتى مع بعض التحولات غير الجوهرية تحت ضغط افتضاح واقع الجرائم الإسرائيلية فى قطاع غزة، وتنامى حركة الاحتجاج الشعبى فى العديد من الدول الغربية الداعمة الإسرائيل، وبروز أصوات تنتقد الأداء المُجحِف لوسائل الإعلام التقليدية، فإن كل ذلك لا يمثل سوى ثقب صغير فى جدار لا يزال صلباً من الانحياز الإعلامى الغربى لإسرائيل، الأمر الذى يوجب تحركاً منسقاً وبعيد المدى من جانب داعمى القضية الفلسطينية، على نطاق يتجاوز حتى تحرك دول بمفردها.
محاور أخرى
كما يستعرض الكتاب قضايا أخرى فى غاية الأهمية، مثل: تحولات الصورة الذهنية لإسرائيل واستراتيجيات تحركها، وذلك تحت عنوان «نزيف الشمعة»، بالإضافة إلى استعراض سياقات بناء «الإسلامو فوبيا» فى الخطاب الغربى تحت عنوان «إعلام الكراهية»، واتجاهات الإعلام الأمريكى فى الحرب على أفغانستان تحت عنوان «تحولات وتناقضات».
وتحت عنوان «من الشتات إلى الشاشات» يستعرض الكتاب محاولات حركة طالبان الأفغانية إلى تغيير صورتها الإعلامية. كما يخصص محوراً مهماً بعنوان «حرب إعلامية غير باردة» خاص بالتغطية الغربية لأزمة أوكرانيا بوصفها أداة للصراع مع روسيا.
ولا يغفل الكتاب التحذير من خطورة الاستخدام المتطرف لمنصات التواصل الاجتماعى من خلال تباينات الواقع وثغرات المواجهة، لا سيما بعدما تحولت منصات التواصل الاجتماعى إلى سلاح فعال فى عمليات الترويج والتجنيد لتنظيمات التطرف من مختلف الاتجاهات، إذ تفضل التنظيمات الإرهابية المنصات الاجتماعية، نظراً لانخفاض تكلفتها وسهولة توظيفها لتجنيد عناصر جدد والتواصل بين أعضائها، ونشر الفيديوهات القتالية لتحفيز المتعاطفين، وتعلم طرق إعداد وتنفيذ الهجمات.
كما أن هذه المنصات يتم توظيفها فى جمع التمويل من خلال أنشطة وحملاتٍ إعلامية تُدِرُّ مداخيل على هذه التنظيمات المسلحة مثل: جمع التبرعات من المتعاطفين، وبيع الكتب الإلكترونية والفيديوهات، إضافة لاعتماد العملة الإلكترونية «البيتكوين».
اختراق جديد
ويشير الكتاب إلى اختراق جديد للعقول من خلال منصات التواصل الاجتماعى الأحدث.. «كلوب هاوس» نموذجاً، موضحاً أن التطبيق لا يبدو بعيداً عن شبهات عدة تحوم حول توظيفه سياسياً وأمنياً، مما يظهر بوضوح من خلال صعوده القوى وحجم الاستثمارات التى جرى ضخها فيه، ثم خفوت الاهتمام به لصالح تطبيقاتٍ أكثر شعبوية وقدرة على الوصول إلى فئات من الجمهور أصغر سناً، وهى أمور تثير تساؤلاتٍ مشروعة حول الغرض الحقيقى من وراء تلك التطبيقات، وهل هو هدف تجارى بحت، أم توسيع نطاق ممارسة حرية الحديث والتعبير، أم أن ثمة أهدافاً أخرى يصعب اكتشافها على الأقل فى المرحلة الراهنة.
تحديات المستقبل
ويخصص الكتاب جزءاً من محاوره لتسليط الضوء على تحديات المستقبل الملتبس، بالتزامن مع تنامى تأثيرات الذكاء الاصطناعى على وسائل الإعلام المختلفة، من خلال وجود فرص تقنية وتحدياتٍ مهنية وأخلاقية، مؤكداً أن تقنيات الذكاء الاصطناعى ستمثل فرصة كبيرة لتطوير مهنة وصناعة الإعلام بكل تنوعاتها، لكنها ككل فرصة تحمل بداخلها الكثير من التحديات، إذ أن صحافة الذكاء الاصطناعى ستخلق ثورة جديدة فى صناعة الإعلام، حيث لا حدود جغرافية، ولا قانونية، ولا قيود تضعها الحكومات على حرية نقل الخبر، أو الوصول إلى المعلومات، والمنافسة ستكون قوية للغاية، والرابح فى السباق من يقتنص تلك الفرص ويستحوذ على أحدث التقنيات الحديثة ويقوم بدمجها فى صناعة الإعلام.
ويوضح الكتاب أن الإعلام المعتمد على الابتكار والإبداع ومواكبة احتياجات الجمهور هو الذى ستتوافر له فرصة البقاء، أما الصحفيون غير المبدعين وغير المُؤهلين والذين يعملون بأدوات تقليدية وبطرق قديمة، فسيكون عليهم التنازل عن وظائفهم، فالروبوتات ستؤدى تلك الوظائف بصورة أسرع وأقل تكلفة، لافتاً إلى أن دخول الذكاء الاصطناعى إلى عالم الإعلام من شأنه أن يفرض واقعاً جديداً تتغير فيه كل الاستراتيجيات المستقبلية وتفتح أفقاً مختلفاً لتوظيف الإعلام فى الصراعات وفق أطر وأنماط غير مألوفة، ومن غير المُستبعد أن نجد الروبوتات تقتحم عالم الإعلام لتشن حروب الشاشات الموجهة والمُسيّرة، تماماً كما تُستخدم فى توجيه الطائرات المُسيّرة.
«الصحة» تعلن استفادة 18 مليون مواطن من مبادرة الكشف المبكر عن الأورام السرطانية
انتهاء مناسك الحج رسميًا اليوم
بتكلفة تخطت ٢ مليار جنيه| «المجمع الحكومى الذكى» نقلة حضارية بالوادى الجديد







