يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: كأن المن إذن عبء نفسى كبير. ويطمئن الحق سبحانه من ينفقون أموالهم دون مَنٍّ ولا أذى فى سبيل الله بأن لهم أجرًا عند ربهم. وكلمة «الأجر» والإيضاح من عند الرب هى طمأنة إلى أن الأمر قد أحيل إلى موثوق بأدائه، وإلى قادر على هذا الأداء. أما الذى يمن أو يؤذى فقد أخذ أجره بالمن أو الأذى، وليس له أجر عند الله؛ لأن الذى يمن أو يؤذى لم يتصور رَبَّ الضعيف، وإنما تصور الضعيف.
والمنفق فى سبيل الله حين يتصور رب الضعيف، وأن رب الضعيف هو الذى استدعاه إلى الوجود، وهو الذى أجرى عليه الضعف، فهو يؤمن أن الله هو الكفيل برزق الضعيف، وحين ينفق القوى على الضعيف فإنما يؤدى عن الله، ولذلك نجد فى أقوال المقربين: «إننا نضع الصدقة فى يد الله قبل أن نضعها فى يد الضعيف» ولننظر إلى ما فعلته سيدتنا فاطمة بنت رسول الله َ. لقد راحت تجلو الدرهم وتطيبه، فلما قيل لها: ماذا تصنعين؟ قالت: أجلو درهمًا وأطيبه لأنى نويت أن أتصدق به. فقيل لها: أتتصدقين به مجلوًا ومعطرًا؟
قالت الزهراء بنت رسول الله َ: لأنى أعلم أنه يقع فى يد الله قبل أن يقع فى يد الفقير. إن الأجر يكون عند من يغليه ويعليه ويرتفع بقيمته وهو الخالق الوهاب.
ولنتأمل قول الحق: ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لماذا لم يقل الله: ولا خوف منهم؟. لأن الحق يريد أن يوضح لنا بقوله: ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أن هناك عنصرًا ثالثًا سيتدخل. إنه تدخل من شخص قد يظهر للإنسان المنفق أنه محب له، فيقول: ادخر للأيام القادمة، ادخر لأولادك.
لمثل هذا العنصر يقول الحق: ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أى إياك يا صاحب مثل هذا الرأى أن تتدخل باسم الحب، ولتوفر كلامك؛ لأن المنفق فى سبيل الله إنما يجد العطاء والحماية من الله. فلا خوف على المنفق فى سبيل الله، وليس ذلك فقط، إنما يقول الحق عن المنفقين فى سبيل الله دون منٍّ ولا أذى: ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ومعناها أنه سوف يأتى فى تصرفات الحق معهم ما يفرحهم بأنهم تصدقوا إما بسرعة الخلف عليهم، أو برضى النفس، أو برزق السلب، فآفة الناس أنهم ينظرون إلى رزق الإيجاب دائما، أى أن يقيس البشر الرزق بما يدخل له من مال، ولا يقيسون الأمر برزق السلب، ورزق السلب هو محط البركة.
هب أن إنسانا راتبه خمسون جنيها، وبعد ذلك يسلب الله منه مصارف تطلب منه مائة جنيه، كأن يدخل فيجد ولده متعبا وحرارته مرتفعة، فيرزق الله قلب الرجل الاطمئنان، ويطلب من الأم أن تعد كوبا من الشاى للابن ويعطيه قرصا من الأسبرين، وتذهب الوعكة وتنتهى المسألة.
ورجل آخر يدخل ويجد ولده متعبا وحرارته مرتفعة، وتستمر الحرارة لأكثر من يوم، فيقذف الله فى قلبه الرعب، وتأتى الخيالات والأوهام عن المرض فى ذهن الرجل، فيذهب بابنه إلى الطبيب فينفق خمسين أو مائة من الجنيهات.
الرجل الأول، أبرأ الله ابنه بقرش. والثاني، أبرأ الله ابنه بجنيهات كثيرة. إن رزق الرجل الأول هو رزق السلب، فكما يرزق الله بالإيجاب، فالله يرزق بالسلب أى يسلب المصرف ويدفع البلاء. وهناك رجل دخله مائة جنيه، ويأتى له الله بمصارف تأخذ مائتين، وهناك رجل دخله خمسون جنيها فيسلب الله عنه مصارف تزيد على مائة جنيه، فأيهما الأفضل.
إنه الرجل الذى سلب الله عنه مصارف تزيد على طاقته. إذن فعلى الناس أن تنظر إلى رزق السلب كما تنظر إلى رزق الإيجاب، وقوله الحق عن المنفقين فى سبيله دون مَنٍّ أو أذى: ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هذا القول دليل على أن الله سيأتى بنتيجة النفقة بدون مَنّ أو أذى بما يفرح له قلب المؤمن، إما بالبركة فى الرزق وإمّا بسلب المصارف عنه، فيقول القلب المؤمن: إنها بركة الصدقة التى أعطيتها.
إنه قد تصدق بشيء فرفع وصرف عنه الله شيئا ضارا، فيفرح بذلك القلب المؤمن. وبعد ذلك ينبهنا الحق سبحانه وتعالى إلى قضية مهمة هي: إن لم تَجُد أيها المؤمن بمالك فأحسن بمقالك، فإن لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بحسن الرد، والرسول َ يقول: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة».
والحق سبحانه وتعالى يحدد القضية فى هذه الآية: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى والله غَنِيٌّ حَلِيمٌ ...﴾
ما معنى ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾؟ إننا فى العادة نجد أن المعروف مقابل للمنكر، كأن الأمر الخَيِّر أمر متعارف عليه بالسجية، وكأن المتعارف عليه دائما من جنس الجمال ومن جنس الخير، أما الأمر الذى تنكره النفس فمن جنس الشر وجنس القبح. ولذلك يقول الحق: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ فكأن من شأن الجمال ومن شأن الحسن أن يكون معروفا، ومن شأن النقيض أن يكون منكرا، إذن فالقول المعروف هو أن ترد السائل الرد الجميل بحيث لا تمتلئ نفسه بالحفيظة عليك، وبحيث لا توبخه لأنّه سألك، وإذا كان السائل قد تجهم عليك تجهم المحتاج فاغفر له ذلك، لماذا؟
لأن هناك إنسانا تلهب ظهره سياط الحاجة، ويراك أهلا لغنى أو ليسار أو جدة وسعة من المال، وقد يزيد بالقول واللسان قليلًا عليك، وربما تجاوز أدب الحديث معك، فعليك أن تتحمله.
«سيلفى الحج»| علماء: جائز ما لم يشغل عن العبادة
العبادة ليست موسمًا عابرًا| العلماء: الثبات على الطاعة علامة صدق الإيمان
خواطر الشعراوى| فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ







