آلاء أشرف تكتب : ظأل لا يرى

آلاء أشرف
آلاء أشرف


فى كلّ صباح، حين تفتح المدينة عينيها على ضجيجها المُعتاد، يمرّ رجلٌ فى الأربعين من عمره على الرصيف ذاته، بالخطوات نفسها، لكنه لا يشبه الأمس أبدًا. كان المارّون ينسون وجهه سريعًا، وكأنه ظلّ يتحرك بينهم بلا صوت… إلا امرأة عجوز تجلس قرب بائعة الخبز، ترفع عينيها نحوه كل يوم، ثم تهمس: «هذا الرجل يحمل قصة لا يعرفها أحد».

كان الرجل يعمل فى مكتب صغير، يكتب تقارير لا يقرؤها أحد، يجلس على كرسيّه ساعات طويلة، لكنه كان يشعر دائمًا أن جزءًا منه مفقود، جزءًا يشبه قطعة من مرآة انكسرت منذ سنوات، ولم يحاول أحد جمع شظاياها.

وفى إحدى الأمسيات - حين تأخر فى العمل - وجد نفسه يحدّق فى زجاج نافذة المكتب. رأى انعكاسًا باهتًا لوجهه، ليكتشف فجأة ما لم ينتبه إليه من قبل: أن ظله أصبح أقصر مما ينبغي، وأخفّ مما يحتمل.

تساءل: هل يخفّ الظل حين يثقل القلب؟.. أم حين نعيش بلا لحظة نؤمن أنها لنا حقًّا؟

مُنذ ذلك اليوم، بدأ يسأل نفسه كل صباح سؤالًا لا يجيب عنه أحد: «أين يذهب الجزء الذى نخسره من أنفسنا… دون أن نشعر؟»..  وذات نهار، اقتربت منه العجوز التى كانت تراقبه منذ شهور، وقالت بصوتٍ يشبه حكمة لا يتقنها إلا من عاش طويلًا: «يا بني… نحن لا نفقد أنفسنا فجأة. نحن نتركها تنسحب خطوة خطوة… حين نؤجل أحلامنا، ونكتم كلماتنا، ونصغى لصوت العالم أكثر من صوت أرواحنا».

توقف أمام كلماتها طويلاً. فى تلك الليلة، عاد إلى بيته، وأخرج دفترًا قديمًا نسيه فى أحد الأدراج. كتب فيه جملة واحدة: «أريد أن أرى ظلى كاملًا… ولو لمرة واحدة».

ومُنذ ذلك اليوم، بدأ يغير حياته بهدوء. لم يترك عمله، ولم يسافر، ولم يعلن ثورة كبرى… لكنه فقط عاد يستمع إلى نفسه. يقف عشر دقائق مع شروق الشمس. يمشى بلا هاتف. يتذكر حلمًا قديمًا، ويكتب منه سطرًا. يبتسم لصوت أمه فى الهاتف، ولا يعجّل فى إنهاء المكالمة. ويقول «لا» حين يشعر أن «نعم» ستثقل قلبه.

حدث شيء غريب… بدأ ظله يطول شيئًا فشيئًا، حتى عاد كما كان. وفى صباحٍ آخر، مرّ على الرصيف ذاته، فرفعت العجوز عينيها نحوه، ثم ابتسمت وقالت:
«ها أنتَ الآن… كامل».