■ كتبت: سمر صلاح الدين
بينما كان النظام العالمي القديم يذوب جليده فى «دافوس»، كاشفًا عن «سفوح حادة» لحروب باردة جديدة، يعيش العالم اليوم «مخاضًا تاريخيًا» كبيرًا، وفي هذه المنطقة الرمادية من «البرزخ الزماني» الذى وصفه الفيلسوف الإيطالي أنطونيو جرامشي في جملته الشهيرة: «العالم القديم يحتضر، والجديد يكافح ليولد.. وفي هذا الظلام بين الموت والولادة تظهر الوحوش»، وهى العبارة التى استدعاها رئيس وزراء بلجيكا في إحدى جلسات المنتدى كصرخة تحذيرية من توحش السياسة وتغول الاقتصاد وفقدان البوصلة الأخلاقية.
◄ لسنا تابعين لأحد.. ونكتب مصالحنا بأيدينا
◄ لا نستبدل الشرق بالغرب بل نوسع خياراتنا
◄ الحياد العربى قوة ذكية وليس عزلة سياسية
في هذه المسافة الفاصلة بين سقوط النظام القديم وولادة الجديد، لا تكمن المخاطر فقط، بل تكمن أيضًا الفرص الاستراتيجية.
وإذا كان العالم بعد «دافوس» لن يُدار بالنيات الحسنة، بل بامتلاك أدوات القوة المعرفية والاستراتيجية، فعلى الدول العربية ألا تبحث لنفسها فقط عن موطئ قدم فى هذا العالم الجديد، بل أن تشارك فى صياغة ملامحه.
داخل أروقة الجامعة العربية، يقود السفير خالد بن محمد منزلاوي، الأمين العام المساعد لقطاع الشئون السياسية الدولية، حراكًا وازنًا يتجاوز إدارة الأزمات التقليدية إلى صياغة استراتيجيات «تعدد الأقطاب» و«تصفير الصراعات البينية».
في هذا الحوار الخاص لـ«آخرساعة»، حاولنا تفكيك شفرة هذا الزمن «الوحشي»، وقراءة كواليس التحولات الكبرى، من الاستدارة العربية نحو الشرق، إلى ملامح العلاقة الجديدة مع أوروبا، وصولًا إلى كيفية صياغة حياد عربى إيجابى يرفض التبعية ويتمسك بالسيادة فى عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.
◄ فى ظل ما نشهده من «سيولة جيوسياسية» غير مسبوقة، هل أصبحت الدبلوماسية العربية ترى فى «تعدد الأقطاب» فرصة للتحلل من التزامات القطب الواحد، أم إنه تحدٍ قد يضعنا فى منطقة «تقاطع النيران» بين القوى العظمى؟
ـ رؤيتنا السياسية تؤمن بأن المنطقة العربية تمتلك مقومات الإرث التاريخى، والإرادة الصادقة، والموقع، لتمثل فاعلًا رئيسيًا فى التوازنات الإقليمية والدولية، وليس ساحة للتنافسات الخارجية.
◄ بالحديث عن القمة العربية ـ الصينية المرتقبة والاستدارة شرقًا: هل نحن أمام محاولة لخلق «نظام مالى وأمنى بديل» يكسر هيمنة القطب الواحد، أم إنها مجرد «مناورة تكتيكية» لتحسين شروط التفاوض مع الغرب؟ وما هى الضمانات لعدم استبدال نفوذ قديم بنفوذ جديد؟
ـ فيما يخص الشراكة العربية ـ الصينية، والنظام الاقتصادى والأمنى المتوازن، نرى أن الشريك الاستراتيجى يحترم سيادة الدول ويبنى شراكات متكافئة تقوم على المنفعة المتبادلة. وقد قدمت الصين نفسها كشريك اقتصادى وسياسى يحترم خياراتنا ويفهم سياساتنا. والقمة العربية ـ الصينية المرتقبة ستكون فرصة تاريخية لوضع أسس نظام تعاون متعدد المستويات؛ اقتصاديًا من خلال الربط بين مبادرة الحزام والطريق ورؤية التنمية العربية المشتركة، وضمان نقل التكنولوجيا وبناء سلاسل إمداد آمنة، وأمنيًا من خلال تعزيز التعاون فى مجال الأمن السيبراني.
نحن لا نستبدل شرقًا بغرب، بل نوسع خياراتنا فى عالم متغير.
◄ تتسارع القوى الكبرى نحو صراع صفرى، بينما تحاول الدبلوماسية العربية ممارسة «الحياد الإيجابى». هل الحياد فى زمن «السيولة الجيوسياسية» موقف أخلاقى أم ضرورة براجماتية؟ وكيف تضمنون ألا يتحول هذا الحياد إلى «عزلة سياسية» فى ظل ضغوط مثلث (واشنطن ـ بكين ـ موسكو)؟
ـ الدبلوماسية العربية اليوم تتعامل مع واشنطن وبكين وموسكو دون انحياز إلى أى طرف ضد آخر، وتهدف إلى إقامة علاقات متوازنة مع جميع القوى. فهناك تعاون مع الصين والولايات المتحدة وروسيا، كما أن المملكة العربية السعودية كانت جسرًا للحوار بين الولايات المتحدة وروسيا، وتستخدم الدول العربية نقاط قوتها (الطاقة، الموقع، السوق، والدبلوماسية) لخدمة مصالحها العليا.
◄ رصدنا فى الآونة الأخيرة ديناميكيات جديدة فى التحالفات العربية ـ العربية تهدف إلى تحويل المنطقة إلى قطب استقرار. فهل يمتلك النظام الإقليمى العربى اليوم «مناعة ذاتية» كافية لوأد الفتن البينية دون انتظار تدخلات خارجية؟ وهل «تصفير الأزمات» استراتيجية مستدامة أم «هدنة محارب» تفرضها التحديات؟
ـ المنطقة تعيش ديناميكية جديدة نحو المصالحة والتفاهم، وتجسير الخلافات عبر الحوار والتعاون فى العديد من الملفات الاقتصادية والتجارية. ويتم دائمًا التأكيد على حل النزاعات بالوسائل السلمية، وتعزيز التكامل الاقتصادى والأمنى المشترك، والعمل على استدامة الاستقرار والحفاظ عليه لجذب الاستثمارات من الشركاء الدوليين.
العالم اليوم بحاجة إلى مناطق مستقرة، والعرب قادرون على تحويل منطقة الشرق الأوسط إلى شريك استراتيجى فى الاستقرار العالمي.
◄ تمر أوروبا اليوم بلحظة ضعف تاريخية بسبب أزمات الطاقة، ما جعلها تلتفت مجددًا إلى المنطقة العربية. بصراحة، هل تعتقدون أن أوروبا تخلصت فعليًا من نظرتها الدونية للمنطقة كسوق بديلة، وبدأت التعامل معها كشريك استراتيجى مكافئ؟ أم إننا سنعود إلى نقطة الصفر بمجرد انتهاء أزمة الغاز؟
ـ فى العلاقة مع القوى الأوروبية، تتعامل أوروبا اليوم مع المنطقة العربية كشريك استراتيجى لمواجهة تحديات الطاقة والأمن الغذائى والهجرة غير النظامية. ونؤمن بأن الشراكة الحقيقية تقوم على التكافؤ، وهناك استثمارات أوروبية فى العديد من الدول العربية فى مجالات الطاقة، والأمن الغذائى، والتعاون فى الاستثمار الزراعى، والتكنولوجيا الحيوية.
◄ مع إعادة رسم الخرائط وتداخل النفوذ الإقليمى، ومحاولات العديد من القوى غير العربية إعادة التموضع فى ظل المتغيرات الدولية المتسارعة، كيف يمكن للجامعة العربية استعادة «زمام المبادرة» لمنع تحويل الأراضى العربية إلى أوراق ضغط فى مفاوضات القوى الكبرى، وحماية الدولة الوطنية من الانهيار؟
ـ المنطقة تشهد تحولات جيوسياسية، وكثير من الدول مرت بظروف صعبة وتسعى اليوم إلى البناء والإعمار وتوفير فرص أفضل لشعوبها، وإعادة بناء أدوارها. وترى الجامعة العربية أن النظام الإقليمى يجب أن يُبنى على مبادئ السيادة، واحترام الحدود، وعدم التدخل فى الشئون الداخلية.
الدور العربى سيكون محوريًا مع توحد الرؤى فى خدمة مشروع استقرار إقليمي.
والعالم الإسلامي هو فضاء للتعاون الاقتصادي والأمنى لمواجهة التحديات المشتركة، ودورنا هو تأكيد خريطة التاريخ والحضارة التى تضع الأمة العربية والإسلامية فى مركز التأثير العالمي.
الجامعة العربية تعمل مع جميع الدول الأعضاء والشركاء الدوليين لتحقيق رؤية تقوم على التوازن والشراكة الحقيقية. فمستقبلنا يُكتب بلغة المصالح المشروعة، والتعاون الذى يخدم شعوبنا وأمننا.
دبلوماسية فاعلة وتنمية لا تتوقف .. تحركات رئاسية لدعم الاستقرار الإقليمى وصناعة المستقبل
لا اعتراف.. لا شرعية.. لا عبث بالتاريخ| القاهرة تتصدى لـ«سفارة الوهم» على أرض القدس
نقيب الفلاحين يتوقع تراجع الأسعار قريبا.. الطقس والسوسة وراء «هيستريا الطماطم»







