في تصريحاتٍ لم يحسب لوقع أثرها، ولا لِردّة فعلها، حسابه صرّح (دونالد ترامب) لقناة فوكس نيوز الأمريكية الخميس، (22يناير2025م)، مهوّنًا من دور دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال النزاع الذي امتد لمدّة ( 20 عامًا وبدأ بغزو أفغانستان عام 2001م)، وكيف أن واشنطن لم تكن بحاجة إليهم مطلقًا. وكيف أن قوات الدول الحليفة بقيت في الخلف قليلًا، بعيدةً عن خطوط المواجهة الأمامية، والتي تصدرت لها وحدها القوات الأمريكية.
ولأن غلطة الشاطر -وكما يقولون- بألف، فإن تلك السقطة التي انزلق إليها ترامب، لاسيما في ظل استعدائه الحاصل للجميع، وتحرّشه بهم -بتعريفاته الجمركية ومحاولته ضمّ غرينلاند وملفاتٍ أخرى- قد أثارت غضبهم واستهجانهم جميعًا لاسيما من أقرب وأوثق وأخلص حلفاء أمريكا التاريخيين، بريطانيا، والتي عبّر -ومن فوره- رئيس وزرائها (كير ستارمر) عن صدمته من تلك التصريحات، المُنكرة لتضحيات (457 بريطانيًّا) قضوا في تلك الحرب، فضلًا عن المصابين بإصابات غيّرت مجرى حياتهم للأبد. واصفًا تلك التصريحات الجاحدة بالمهينة والمروّعة، وداعيًا ترامب في الوقت نفسه إلى الاعتذار منها، قائلًا: لو كنت مكانه لاعتذرت بالتأكيد.
تصريحات استشاط غضبًا منها الجميع داخل بريطانيا، وعلى رأسهم الأمير هاري، والذي دعا إلى الحديث بصدق واحترام عن قوات الناتو، ومتحدثًا عن ذكرياته في تلك الحرب (2008م).
فيما عبّرت (جورجيا ميلوني)، رئيسة وزراء إيطاليا، عن ذهولها من تلك التصريحات. كما توقع (رومان بولكو)، وهو جنرال بولندي متقاعد وقائد سابق بالقوات الخاصة خدم في أفغانستان والعراق، في مقابلة له مع رويترز اعتذارًا من هذا التصريح. مضيفًا: "تجاوز ترامب الخط الأحمر ... دفعنا ثمن هذا التحالف بالدم، كنّا نضحي حقًّا بحياتنا من أجله". إلى غير ذلك من ردود فعل واسعة غاضبة ترتّب عليها اتخاذ ترامب مُكرَهًا، وليس من عادته، خطوة للوراء قليلًا للحدّ من آثار ذلك في تصريح له عبر منصّته للتواصل الاجتماعي، Truth Social، أشاد فيه بجيش المملكة المتحدة، ذاكرًا أن الجنود البريطانيين رائعون وشجعان جدًّا، وأنهم سيكونون دومًا مع الولايات المتحدة جنبًا إلى جنب. إذ إنها رابطة أقوى من أن تكسر.
وبعيدًا عن ذلك كله إلا أن الغريب في الأمر أن تصريح ترامب هذا يمثل طعنةً لاسيما في ظهر أوثق حليفٍ له على الإطلاق، بريطانيا. ففي كل أزمات أمريكا وخططها وطموحاتها وسرقاتها وحروبها، ظالمةً وظالمةً، تجد دومًا بريطانيا دون قيدٍ أو شرط في ظهرها، عسكريًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا. ولعل أبلغ دليل على ذلك ضرب العراق (2003م)؛ فعندما ذهبت أمريكا إلى ضربه بزعم امتلاكه كذبًا وزورًا أسلحة دمار شامل دون قرار من مجلس الأمن، أو حتى تفويضٍ من الأمم المتحدة، حد قول (بوش الابن) وقتها: سنضربه، صدر قرار أم لا، وُجد لديه أسلحة دمار شامل أم لا. لم يكن جوارها في تلك الحرب سوى بريطانيا. ومن ثمّ، كانت الصورة الكاريكاتيرية في الصحف البريطانية وقتها، والتي صورت (توني بلير)، رئيس وزرائها السابق، على هيئة كلب يجرّه (بوش الابن). وفي دلالة أخرى على العلاقة الوثيقة بينهما، وكأنهما في رباطٍ مقدّس وزواجٍ كاثوليكي أبديّ لا انحلال فيه إلا بالموت، كانت آخر نصيحة لرئيس وزرائها السابق (بوريس جونسون) لمَن سيخلفه في رئاسة الحكومة، في كلمته الأخيرة في مجلس العموم البريطاني (يوليو2022م)، والتي قدم فيها استقالته، ناصحًا: كن على مقرُبةٍ من الأمريكيين.
ولم تكن هذه الخطوة إلى الوراء قليلًا هي الأولى من قِبل ترامب، والتي بدا فيها مترنّحًا، إذ سبقتها بيومينِ فقط أخرى مماثلة خلال كلمته في مؤتمر دافوس بسويسرا (الجمعة23يناير2025م)، والتي تراجع فيها عن تصريحاته السابقة حول إمكانية استخدام القوة العسكرية لضم غرينلاند إن لزم الأمر، ليصرّح على حدّ زعمه بأنه لن يستخدمها. وما هذا التحول، التكتيكي ربما، إلا نتيجة للموقف الأوروبي الصّلب من حلفائه الأوروبيين، وعلى رأسهم بريطانيا، برفض ذلك الضم جملةً وتفصيلًا. موقف تصدّرته، وفي شجاعةٍ لا حدّ لها، رئيسة وزراء الدنمارك (متى فريدركسون)، مصرّحةً وفي حزمٍ أنه لا تفاوض على السيادة، ومهددةً في الوقت نفسه بتقويض حلف الناتو. وتبعتها في ذلك فرنسا وألمانيا وإيطاليا حتى تشكل هذا الموقف الأوروبي الصارم، وقد تمثّل في الدفع بتعزيزاتٍ عسكرية عملية من قِبل أعضائه على أرض غرينلاند، حتى وإن كانت هزيلة إلا أن رمزيتها كانت لها أكبر الأثر في لغة ترامب المهادنة تلك، ليس خوفًا منهم -ولِمَ لا؟!- وإنما خشية انفراط عقد تحالف الناتو، وانكشاف ظهر أمريكا إلى غير رجعة، وفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية لا يمكن التنبؤ بها مستقبلًا.
اتخذ خطوةً إلى الوراء في حربه التجارية، وتعريفاته الجمركية أمام الصين، والتي بادلته هي الأخرى رقمًا برقم في معركة إرادةٍ وصمودٍ مبهرة لم يتحمل هو تبعاتها، ولم يصمد أمامها كثيرًا حتى أذعن هو في الأخير للتنين الصيني فيما عُرف باتفاقٍ بينهما. اتخذ خطواتٍ إلى الوراء أمام لاءاتِ الإرادة المصرية الصُّلبة في غزة، وفي خطواتها الإستراتيجية الهادئة سياسيًّا واقتصاديًّا وأخرى، لاسيما في منطقة القرن الإفريقي، ودول حوض النيل، سابغًا على مصر وقيادتها من الأوصاف ما أذهل العالم بأسره، وذلك خلال لقائه بالرئيس السيسي على هامش مؤتمر دافوس بسويسرا (2026م).
لنخلص من ذلك كله إلى أن طغيان ترامب -أو حتى غيره- وصلفه وغروره وأطماعه يمكن ردعها، وإلزامها حدًّا لا تتجاوزه أبدًا، فقط بموقفٍ جماعيّ موحّد، وبإرادة وطنية حُرّةٍ وصُلبة؛ عندئذٍ يرتدع من فوره مكرهًا لا بطلًا.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







