في مساء يوم الخميس الموافق ٢٧ يناير من العام٢٠١١ حينما كنت أتردد على ساقية الصاوى الكائنة على نهر النيل بالزمالك، وبينما أحتسى قهوتى المسائية، كان يجلس بجوارى شابان يافعان يتبادلان الحديث، ويتباريان كلٌ بحجته حين كان السؤال: هل سينزل المصريون إلى الشوارع والميادين للتظاهر غداً الجمعة الموافق ٢٨ يناير؟ والتى رُوج لها على صفحات السوشيال ميديا ــ لاسيما على الفيسبوك ــ والتى انطلقت من صفحة (كلنا خالد سعيد) والتى كانت بعنوان: (جمعة الغضب)، حيث تراهن هذان الشابان على نزول المصريين أو عدم نزولهم، وذهبت إلى بيتى لأعد حقيبتى وأرتب بها ملفاتى وأوراقى الخاصة بمشروعى لتطوير التعليم والذى كان يحمل اسم ( راماتان لتطوير التعليم ) لأن لدىّ موعدا هاما قد ضربته لى إحدى المؤسسات الكبرى والذى تحدد لى يوم الجمعة . الموافق ٢٨ يناير فى الواحدة ظهراً، فأديت صلاة الجمعة فى المسجد القريب من بيتى والقريب من نفق الهرم بالجيزة فلم أجد أحداً يهُم بالتظاهر، فقلت فى نفسي: يبدو أن هذه الدعوات لم تجد صدى عند المصريين لحثهم على النزول .
فقررت أن أسير أنا وحقيبتى المليئة بالأوراق والملفات لموعدى بساقية الصاوى بالزمالك، وحين اقتربت من نفق الهرم إذا بى أفاجأ بتظاهرة كبيرة تضم المئات من المصريين قادمة من مسجد (خاتم المرسلين) المسجد الرئيس والكبير فى تلك المنطقة.. يهتفون: «الشعب يريد إسقاط النظام».
فكان وقع هذا الهتاف عظيماً فى نفسى شأنی شأن ملایين المصريين الذين سمعوا هذا الهتاف لأول مرة فقرروا النزول إلى الشوارع والميادين فى هذه الجمعة (جمعة الغضب)، ولم يكن يدور فى خلدهم أن هناك أجندات خارجية وأيادى أجنبية لها مآرب أخرى من تحريك تلك الأحداث، فقد أدركوا هذه الحقيقة بعدها بفترة، حين تيقنوا أن نزولهم للشوارع والميادين فى ثورة يناير قد تم استغلاله من بعض الدول الكبرى والإقليمية لتغيير شكل المنطقة واستبدال أنظمة الحكم بها بنظام حكم الإخوان لتحقق، الجماعة مصالح تلك الدول والذى عرف بمخطط (الشرق الأوسط الكبير أو الفوضى الخلاقة أو السايكس بيكو الجديد)، أما عن غالبية الجماهير المصرية التى نزلت إلى الشوارع والميادين وأنا واحد منهم فقد كانت لهم مطالب مشروعة سواء أكانت (مطالب معيشية) مثل: تحسين أحوال المعيشة وزيادة فرص العمل والحد من البطالة أو (مطالب فئوية) كزيادة فرص العمل وتحسين أحوال العمال والقطاعات المختلفة بالدولة كزيادة الأجور والمعاشات.. إلخ.
تلك هى المطالب المشروعة والعادلة، لكن جزءاً قليلاً من هذه الجماهير - وهى القوى والأحزاب السياسية وعدد من الشباب والذى عرف فيما بعد بشباب ثورة يناير (النخبة المصرية) - كانت لهم (مطالب سياسية) تتمثل فى إقالة وزير الداخلية فى ذلك الوقت اللواء حبيب العادلى والذى كان قد توغل فى استعمال صلاحياته المنوط بها، لذلك اختاروا يوم الـ٢٥ من يناير للتظاهر، وكان هذا خطأ جسيماً ومراهقة سياسية بامتياز، لأن هذا اليوم ليس عيداً للشرطة المصرية وحسب بل عيد لمصر كلها، ومناسبة وطنية من طراز رفيع، ينبغى الاحتفال والاحتفاء بها على مر العصور وتعاقب الأجيال، حينما واجهت الشرطة المصرية الباسلة قوات الاحتلال الإنجليزى بمبنى محافظة الإسماعيلية وتصدت له حتى نفدت ذخيرتهم، حيث استشهد وجرح العشرات (خمسون شهیدا وثمانون جريحا) فى عهد وزير الداخلية بذلك الوقت فؤاد باشا سراج الدين فى يوم ٢٥ يناير ١٩٥٢، لذا تعمُّد اختيار ذلك اليوم بالذات يمثل تشويها وطمسا لتلك المناسبة الوطنية العظيمة، فإن كان ولابد من التظاهر كان على القوى السياسية والأحزاب وشباب الثورة أن يختاروا يوماً آخر للتظاهر لا أن يختاروا هذا اليوم العظيم والمجيد فى تاريخ مصر.
أما أبرز الأسباب الأخرى التى دعت النخبة المصرية للتظاهر فى ٢٥ يناير فهو رفضهم لمشروع التوريث حينما كانت ملامح هذا المشروع تترسخ يوماً بعد يوم بتصعيد الابن وزيادة نفوذه، ليتسلم بعد ذلك الحكم من الأب، كانت معظم القوى السياسية وشباب الثورة يرفضون ذلك التوريث ما عدا جماعة الإخوان التى أبدت ترحيبا بهذا المشروع حينما أعلنها مرشدهم (محمد بديع)، صراحة أنهم يؤيدون ترشيح ابن الرئيس لتولى رئاسة مصر، وقد حفزت حادثة (بوعزيزى التونسي) والذى أقدم على إشعال النار فى جسده احتجاجاً على سوء المعاملة حين صادرت السلطات التونسية عربة الخضار التى يقتات منها عيشه.
وانطلاقاً من هذه الشرارة التى أحدثها بوعزيزى للثورة التونسية، والتى شجعت القوى والأحزاب السياسية فى مصر على المضى فى ذلك المسار وكذلك ما حدث فى انتخابات مجلس الشعب والتى أجريت فى أواخر٢٠١٠، حيث تمت إدارتها بشكل يفتقد إلى الذكاء السياسى والذى تميز به (الحرس الجديد) الذى أحاط بالرئيس مبارك فى العشرية الأخيرة من حكمه والذى كان يدعم الابن لتولى الرئاسة ويهيئ البلاد لتقبل مشروع التوريث، بعكس (الحرس القديم) الذى أحاط بالرئيس مبارك فى العشرية الوسطى من حكمة والذى كان يتميز بالذكاء والدهاء السياسى والتعامل بحنكة مع المعارضين من القوى والأحزاب السياسية، لذا قد دأبت القوى والأحزاب السياسية على تصعيد مطالبها مثل حركة كفاية و٦ أبريل للمطالبة بعمل بعض الإصلاحات وكانت تتخذ من سلم نقابة الصحفيين منبرا لها، أما عن غالبية الجماهير المصرية والتى كانت لها مطالب فئوية ومعيشية فكانت تتخذ من أمام مقرات الوزارات والهيئات المختلفة منبراً للتعبير عن مطالبها المشروعة، وقد زادت وتيرة هذه الوقفات الاحتجاجية سواء السياسية أو الفئوية والمعيشية رويداً رويداً منذ عام ٢٠٠٥ إلى يناير ٢٠١١، وبالتوازى مع تزايد تلك الوقفات الاحتجاجية كانت الإدارة الأمريكية قد فتحت خط اتصال مع جماعة الإخوان، لتسخدمها كأداة لتنفيذ مخططها فى المنطقة وبدأ تبادل الوفود والزيارات بين الجانبين جماعة الإخوان والإدارة الأمريكية للترتيب لما هو قادم، وكان من الأخطاء التى وقع فيها نظام مبارك أنه كان يغض الطرف عن نشاط الجماعة سواء أكان فى الجامعات المصرية أو النقابات المهنية أو مؤسسات المجتمع المدنى والجمعيات الخيرية، بل وازداد نشاطها حينما دخلت الجماعة معترك العمل السياسى وأصبح لهم ممثلون بمجلس الشعب «دورة ٢٠٠٠» حيث حصلوا على سبعة عشر مقعداً و ٨٨ مقعداً فى دورة ٢٠٠٥ .
وسمح لهم نظام مبارك بممارسة العمل السياسى تحت سقف محدد دون الاقتراب من تناول شخص الرئيس أو ابنه، ولم يلتفت النظام إلى خطورة هذه الجماعة على الدولة والمجتمع، ولا سيما بعد حادثة العرض العسكرى الذى أقامه طلبة جامعة الأزهر من الإخوان، والذى دق ناقوس الخطر وأن الجماعة تعد العدة لممارسة العنف، بعد أن أوهمت الجميع أنها قد تخلت عنه بدعوى أنها جماعة دعوية وسلمية! وفى ذات الوقت كانت الجماعة تعقد الصفقات السياسية خلف الأستار (تحت الترابيزة) مع نظام مبارك، فهل تدارك نظام مبارك خطأه الجسيم أم فاته الأوان !!
نستكمل فى الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.
أفاعى «الإخوان» (14) .. صالح عشماوى .. أحد مؤسسى النظام الخاص
صلاح دندش يكتب : تخاريف
أيمن بدرة يكتب: الملك الكروي بين الإنجليزي والمصري







