هل تراجع السلوك الإنساني فعلاً؟.. دراسات علمية تعيد قراءة أخلاق البشر

دراسات علمية تعيد قراءة أخلاق البشر
دراسات علمية تعيد قراءة أخلاق البشر


على عكس الاعتقاد السائد بتدهور القيم الأخلاقية، تكشف دراسات حديثة أن الولاء والصدق والتعاون ما زالت تتصدر سلوكيات البشر عبر ثقافات ودول مختلفة،في ظل تسارع الأحداث العالمية وانتشار الخطاب السلبي عبر وسائل الإعلام، يتزايد التساؤل حول ما إذا كانت سلوكيات البشر قد تغيرت نحو الأسوأ،إلا أن أبحاثا علمية حديثة تشير إلى صورة مختلفة تماما، تظهر ثبات القيم الإنسانية الأساسية، وتفند مزاعم الانحدار الأخلاقي الذي يعتقد أنه يرافق العصر الحديث.

اقرا أيضأ|فوائد القراءة العميقة.. الكتاب الورقي في مواجهة التصفح السريع

أظهرت دراسة أجريت عام 2022، وشملت أكثر من 32 ألف شخص من 49 مجموعة ثقافية، أن قيم الولاء والصدق والمساعدة احتلت المراتب الأولى لدى المشاركين، في حين جاءت قيم السلطة والثروة في ذيل القائمة، وتشير هذه النتائج إلى أولوية القيم الاجتماعية والإنسانية على المصالح المادية.


ولا تدعم هذه المعطيات الادعاءات الشائعة حول التدهور الأخلاقي، إذ توضح أداة تفاعلية طورها عالم الاجتماع مكسيم رودنيف، اعتمادا على بيانات المسح الاجتماعي الأوروبي، أن هذه القيم ظلت مستقرة نسبياً بين عامي 2002 و2023 في أكثر من 30 دولة أوروبية.


كما تؤكد دراسات أخرى أن القيم الإنسانية متقاربة إلى حد كبير بين الأفراد في أكثر من 60 دولة، على اختلاف مستوياتهم التعليمية وخلفياتهم الدينية، ما يعكس تشابها لافتا في نظرة البشر إلى الصواب والخطأ.


تشير أبحاث متعددة إلى أن الغالبية العظمى من الناس يتصرفون بشكل أخلاقي في حياتهم اليومية. ففي دراسة تعود إلى عام 2020، حلل باحثون نزاعات عامة حقيقية وثقتها كاميرات المراقبة، وتبين أن المارة تدخلوا لاحتواء الموقف في تسعة من كل عشرة نزاعات عند وجودهم في المكان. وكانت النتائج متقاربة في دول مختلفة مثل هولندا وجنوب إفريقيا والمملكة المتحدة.


شهامة وبطولة


في مواقف أكثر خطورة، يظهر كثير من الأفراد استعدادهم للتدخل حتى على حساب سلامتهم الشخصية، كما في حالات الهجمات بالأسلحة البيضاء أو الاعتداءات الإرهابية، ورغم ندرة هذه الوقائع، فإنها تعكس نزعة إنسانية قوية لمساعدة الآخرين. وحتى في المواقف اليومية الأقل حدة، يراعي الناس مشاعر غيرهم بدرجة ملحوظة.


وتدعم ذلك دراسة أجريت عام 2019 شملت 40 دولة، حيث تبين أن المحافظ المفقودة كانت أكثر عرضة للإعادة إلى أصحابها إذا احتوت على مبالغ مالية، خصوصا الكبيرة منها، مقارنة بالمحافظ الخالية من النقود، ما يعكس إدراكا لحجم الضرر الذي قد يلحق بصاحبها.


كرم وتبرعات


وفي تجربة حديثة أُجريت عام 2023، حصل 200 مشارك من سبع دول على مبلغ 10 آلاف دولار أميركي دون شروط تقريبا،وأظهرت النتائج أن المشاركين أنفقوا أكثر من 4700 دولار لمساعدة الآخرين، إضافة إلى التبرع بنحو 1700 دولار للأعمال الخيرية، في مؤشر واضح على النزعة التشاركية والكرم الإنساني.


هل أصبح البشر أكثر تعاونا؟


يرى بعض الباحثين أن الأجيال السابقة ربما كانت أكثر التزاما بالقيم الأخلاقية، إلا أن البيانات المتوافرة لا تؤكد ذلك بشكل قاطع، وتشير إحدى الدراسات إلى أن الأميركيين أصبحوا أكثر تعاونا بشكل طفيف في تعاملهم مع الغرباء، مقارنة بخمسينيات القرن الماضي، ما يوحي بتطور إيجابي محدود في هذا الجانب.

على الرغم من الصورة القاتمة التي يرسمها الخطاب العام أحيانا، تكشف الأبحاث العلمية أن القيم الإنسانية الأساسية لا تزال راسخة، وأن البشر في مجملهم يميلون إلى التعاون، والصدق، ومساعدة الآخرين، وبينما تتغير الظروف والأدوات، يبدو أن جوهر السلوك الإنساني لم يتبدل بقدر ما يعتقد.