قضية ورأى

دعم الشباب ركيزة القرار فى مؤتمر «أخبار اليوم» الاقتصادى «الثانى عشر»

د. آيات الحداد
د. آيات الحداد


د. آيات الحداد

لم يعد الشباب فى مصر عنوانًا دعائيًا يُستدعى عند الحاجة، بل تحوّل إلى عنصر أصيل فى معادلة الاقتصاد وصناعة القرار، وهو ما جسّده بوضوح مؤتمر «أخبار اليوم» الاقتصادى الثانى عشر، المنعقد تحت شعار «شباب الجمهورية الجديدة»، حيث بدا المشهد مختلفًا فى الجوهر لا فى الشكل؛ نقاشات واقعية، وملفات شائكة، ورؤية تسعى للانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المسارات.
انطلق المؤتمر من قناعة أساسية مفادها أن التنمية لا تُدار من المكاتب، إنما تُصنع فى الأسواق ومواقع الإنتاج، وأن الاقتصاد المصرى يمتلك من المقومات ما يؤهله للنمو إذا أُحسن استثمار موارده البشرية قبل المادية. ومن هذا المنطلق، جرى طرح العلاقة بين تعافى السياحة وتنشيط الاستثمار العقارى باعتبارها علاقة تكامل لا انفصال، حيث باتت السياحة قوة دافعة لزيادة الطلب على المشروعات الفندقية والسياحية والعقارية، ومجالًا مفتوحًا لجذب رؤوس الأموال وتعظيم العائد الاقتصادي.
قُدِّم الاستثمار العقارى بوصفه محركًا استراتيجيًا للنمو، شريطة أن تحكمه تشريعات مستقرة، وسوق منضبط، ورؤية تصديرية واعية تفتح أبواب الأسواق الإقليمية والدولية أمام العقار المصري، مع الالتزام بمعايير الاستدامة والبناء الأخضر. وفى هذا السياق، طُرحت المدن الجديدة، وعلى رأسها العاصمة الإدارية، كنموذج لتحول نوعى فى الفكر العمرانى يربط بين التخطيط الذكى والعائد الاقتصادى طويل الأمد.
وفى محور الصناعة، كان الخطاب مباشرًا بلا مواربة؛ إذ لم يكن الحديث عن طموحات عامة، حيث تطرق إلى مسارات محددة لإحياء كيانات وطنية كبرى، فى مقدمتها النصر للسيارات، والتوسع فى الصناعات المعدنية باعتبارها ركيزة للتصدير، إلى جانب صناعات الأسمدة والكيماويات والتعدين التى تمثل عمقًا استثماريًا لا يجوز إهداره. كما حضر ملف الغزل والنسيج باعتباره مشروعًا قوميًّا متكاملًا، إضافة إلى الصناعات الدوائية بوصفها مسألة أمن قومى لا تقبل التأجيل وتتطلب دعمًا حقيقيًا وخطط توسع مدروسة.
التحول الرقمى لم يُطرح كخيار مستقبلى مؤجل، بل كضرورة حاضرة، بدءًا من منظومات النقل الذكية، مرورًا برقمنة الخدمات، وصولًا إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمستثمر. وفى الإطار نفسه، جرى التطرق إلى تسوية المعاملات التجارية بالعملات المحلية كأحد الحلول العملية لتخفيف الضغط على النقد الأجنبي، بالتوازى مع التأكيد على أن تأهيل العمالة الفنية هو الاستثمار الأذكى والأبقى.
وفى سياق دعم الاقتصاد الإنتاجي، برزت ريادة الأعمال كمدخل حقيقى لتمكين الشباب، لا عبر الشعارات، ولكن من خلال التسهيلات التمويلية وبناء بيئة تشريعية تحمى الفكرة وتدعم نموها. كما جرى تناول قطاع السياحة والفنادق من زاوية تعظيم عوائد الأصول وتحسين جودة الخدمات، مع استعراض الخطط الاستثمارية للشركة القابضة للسياحة ضمن رؤية أشمل لإدارة الأصول العامة بعقل اقتصادى لا إداري.
أما التشييد والتعمير، فقد طُرح بوصفه شراكة تنموية متكاملة بين الدولة والقطاع الخاص، تقوم على تحقيق تنمية عمرانية مستدامة تعكس احتياجات المجتمع وتخدم الاقتصاد، لا مجرد توسع عمرانى يفتقر للبعد التنموي. وفى قلب كل هذه الملفات، ظل الشباب هو الخيط الناظم.
فالتنمية الشبابية وريادة الأعمال لم تُناقشا من منظور الرعاية، بل من زاوية الشراكة والمسؤولية، كما جرى تسليط الضوء على الاستثمار الرياضى باعتباره قطاعًا اقتصاديًا واعدًا، قادرًا على خلق فرص عمل حقيقية وتحويل الرياضة من نشاط استهلاكى إلى صناعة ذات قيمة مضافة.
وفى هذا الإطار، برز دور كيان «شباب الجيل الجديد لريادة الأعمال والاستثمار» كآلية تنظيمية تسعى إلى ربط الشباب بالمستثمرين وصنّاع القرار، وتحويل الطاقات الكامنة إلى مشروعات قابلة للحياة، بما يعكس فهمًا حديثًا لدور الشباب فى الاقتصاد الوطني.
هكذا بدا مؤتمر «أخبار اليوم» الاقتصادى الثانى عشر رسالة صريحة مفادها أن الجمهورية الجديدة لا تُبنى بالنيات الطيبة وحدها، ولكن بعقل اقتصادى شاب، وقرارات جريئة، وشراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع؛ فعندما يُمنح الشباب موقعهم الطبيعى فى قلب القرار، فإنهم لا ينتظرون المستقبل… بل يصنعونه.