البدوى محمد
عاد هذا الخيال الحضارى فى موكب المومياوات الملكية وافتتاح متحف الحضارة المصرية، حين بدا المشهد أشبه بأوبرا مصرية خالصة
لم يكن إنشاء دار الأوبرا المصرية مجرد صرح فنى يُقام على سبيل التقليد أو محاكاة الأمم المتقدمة، بل جاء باعتباره خطوة ضمن مشروع حضارى واسع تبنته مصر فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر؛ حين أرادت أن تعود إلى قلب التاريخ لا بوصفها ماضياً منقضياً، إنما باعتبارها إرثاً ممتداً ومخزوناً إنسانياً مجدداً قادراً على مخاطبة العالم بلغة الفن والإبداع والجمال.
وبالتزامن مع افتتاح قناة السويس فى نوفمبر عام 1869، جاء افتتاح دار الأوبرا الخديوية؛ لتكون أول دار أوبرا فى إفريقيا والمنطقة العربية؛ إعلاناً بأن مصر لا تفتح قناة للملاحة فقط، بل قناة للحوار الحضارى والفنى والثقافى مع العالم، ونظراً لظروف الحرب الفرنسية البروسية تأجلت أوبرا عايدة، وتم الافتتاح بعرض أوبرا ريجوليتو فى لحظة حملت دلالة رمزية على حضور مصر فى قلب المشهد الثقافى الدولى.
وفى هذا السياق وُلدت أوبرا عايدة للموسيقار العالمى جوزيبى فيردى عام 1871، والتى لم تكن مجرد أوبرا عن مصر، بل استنهاض لروح الحضارة المصرية القديمة، والتى جسدت الصراع بين الحب، الواجب الوطنى، والفداء، ووجدت «عايدة» صداها العميق فى الوجدان المصرى، لأن الفن الأوبرالي، بقوته الصوتية وانضباطه الدرامى وعمله الجماعى الهائل، يتماهى مع روح الفن المصرى القديم، حيث كانت المعابد والأهرامات مشاريع جماعية منضبطة ومُفعمة بالقوة الجمالية والنظام الكونى، والأوركسترا الحضارية التى تميز بها قدماء المصريين فى الإبداع والإتقان والتميز.
لم تكن عايدة المحاولة الأولى للتعبيرعن الحضارة الفرعونية باستخدام فن الأوبرا؛ فقد نظم موزارت الأوبرا الشهيرة الناى السحرى نهاية القرن الثامن عشر، مستلهماً الخيال الجمعى الأوروبى عن الغموض والسحر والحكمة الموجودة فى الحضارة الفرعونية.
بعد أكثر من قرن، عاد هذا الخيال الحضارى فى موكب المومياوات الملكية وافتتاح متحف الحضارة المصرية، حين بدا المشهد أشبه بأوبرا مصرية خالصة: موسيقى حماسية، حركة جماعية منضبطة، سرد بصرى محكم ومثير للانتباه، واهتمام بالتفاصيل يجعل المشاهد يشعر أن الملوك والملكات قد بعثوا من مرقدهم لينتقلوا إلى مقرهم الحضارى الجديد، وتفاعل المصريون مع أنشودة إيزيس؛ تلك الترنيمة الفرعونية التى سجلت على معابد الأقصر، وتم تحويلها إلى اللغة القبطية آخر أشكال اللغة الفرعونية المنطوقة.
ثم جاء حفل افتتاح المتحف المصرى الكبير ليؤكد أن مصر، بحضارتها العميقة، لا تعرض آثارها فحسب، بل تصوغها كفن حى يتفاعل مع الزمان والمكان؛ ليصبح الأداء الثقافى جزءاً من البنية الجمالية للحضارة نفسها، وأن فن الأوبرا تم تمصيره وتوطينه عبر فنانين مصريين أدركوا أهمية الفن فى تشكيل الوجدان الخاص بالهوية المصرية.
ولعل سر العظمة المصرية يكمن فى هذا التلاقى الفريد بين الأرض والحضارة والوجدان: مصر ليست مجرد تاريخ، بل مادة خام للإبداع البشرى، تمنح الفنان عمقًا وجدانيًا، وتدفعه إلى استخراج مكنون فنى حى ينبع من سحر وعظمة هذا الشعب. مثلما يمنح نهرها الحياة والتجدد، تمنح حضارتها الإلهام والخلود للفن.
من دار الأوبرا الخديوية إلى «عايدة»، ومن موكب المومياوات إلى حفل المتحف المصرى الكبير، تتجلى الحقيقة نفسها: الفن فى مصر ليس عرضاً زائفاً، بل تجربة جمالية حيّة، تعكس حضارة متجددة وقادرة على مخاطبة الإنسانية بصوتها الجماعى القوى، وبجمالها الذى لا ينقطع عن جذور الأرض والتاريخ.
باحث علوم سياسية

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







