كريم حامد و دينا عرفة
لو ساقتك الظروف لتناول فنجان من القهوة أو كوب من الشاى فى هذا المقهى الصغير القريب من سينما كوزموس فى شارع سليمان الحلبى بوسط البلد، ستشعر بألفة غير تقليدية، ربما لا تتذكر أسماء الجلوس فى المكان لكن الوجوه مألوفة للغاية، لأنها غالبًا ما تطل على ذاكرتك من شباك أفلام السينما أو مسلسلات التلفزيون أو المسرحيات.

اقر أ أيضًا | من الطقوس القديمة إلى أكواب المقاهي.. لاتيه السمسم الأسود يقتحم عالم المشروبات الصحية

إنهم فنانو الظل أو ما يطلق عليه فى عرف السينمائيين «المجاميع» أو الكومبارس، وجوه مميزة للغاية تحمل سمات خاصة جدًا تليق بطبيعة عملهم، غالبًا فريق منهم تخصص فى الكوميديا وآخر فى الدراما وثالث فى الأكشن.. هم بهارات الأعمال الفنية وملحها الذى يمنح للعمل مذاقه الخاص، أعمارهم مختلفة متباينة بعضهم شباب يبحث عن أولى خطوات الشهرة والمجد، وبعضهم تجاوز ذلك فبات الأمر بالنسبة له «لقمة عيش» ومهنة تعينه على مطالب الحياة، بعضهم يعتبرها عمله الأساسى وأغلبهم يعتبرها هواية و«نواية تسند زير الحياة المنهك».
قهوة «بعرة» من أقدم مقاهى وسط البلد، تاريخها يعود لعام 1918م، كان اسمها نادى الكورسال، وتمتلكها السيدة (ميرا صبرة)، وكانت وقتها ملتقى للانجليز أيام الاحتلال، ثم أمتلكها محمد الزناتى عام 1930، وتحول اسمها لمقهى بعرة، ويرجع تسميتها بهذا الاسم إلى الفنان رشدى أباظة الذى أطلق على صاحبها لقب بعرة، وأصبح الاسم متداولاً بين رواد المقهى، ومن ثم أصبح اسمًا للمقهى.
لطالما ساقتنى الظروف والأقدار للمرور أمام هذا المقهى مرارًا وتكرارًا فى سنوات حياتى الأولى التى ارتبطت بحى التوفيقية وكنت من مرتادى دور السينما الشهيرة فى وسط البلد وخاصة فى شارع عماد الدين، وكم من مرات شاهدت ممثلى الصف الثانى المشاهير «الكومبارس الكبار» على مقاعدها من أمثال عم نصر سيف «سمعة الأقرع»، مطاوع عويس، فاطمة كشري، فايزة عبدالجواد التى اشتهرت بدورها مع سهير البابلى فى بكيزة وزغلول، سعيد أبو بكر، شوقى تركيا، حسن الهلالى، عبد الرزاق الشيمى «فرعون»، برنسة عبد الغنى، وغيرهم.
كلمة «كومبارس» مأخوذة عن الكلمة الإيطالية «compares»، وتعنى «الزائدون»، أى أن أدوارهم ثانوية وليست رئيسية، ووجودهم يقتصر على إضفاء نوع من البهجة من خلال جملة أو مشهد، أو ظهورهم فى خلفيات البطل مثل ركاب الأوتوبيس أو مرتادى المقهى أو الحضور فى محكمة وغير ذلك.
«الأخبار» التقت طارق الزناتى ابن صاحب المقهى والقائم على إدارتها بعد وفاة والده، فقال «والدى الحاج محمد الزناتى كانت تربطه صداقة قوية مع الفنانين الكبيرين أنور وجدى ورشدى أباظة فأطلقا عليه «بعرور» بسبب طول جسمه وقوة عضلاته، ثم تحرف الاسم تدريجيا من بعرور إلى «بعرة» كنوع من التباسط أو المزاح، وبعدها أصبح اسم المقهى «بعرة» واشتهر بهذا الاسم.
وتابع قائلاً «طول عمرها ملتقى للفنانين والمخرجين والكوافيرات والريجيسيرات والمصورين، ومركز لتجمع الكومبارس على مستوى مصر كلها، حيث كان يتردد عليها «المجاميع» على مدار ٢٤ ساعة، فهى نقطة أنطلاق نحو الشهرة، من أشهرهم عمران البحر، مطاوع عويس، محمد أبو حشيش، حسن هوندا الذى اشتهر عندما ظهر فى الأفيش مع الفنانة نبيلة عبيد فى فيلم اغتيال مدرسة، وجلس على مقاعدها كبار الفنانين من جميع الأجيال».
وأتذكر عندما كنت آتى مع والدى وعمرى ٧ سنوات ووقتها كنت أشعر بالدهشة والفرحة لمشاهدة هذا العدد من الفنانين، مثل عادل أمام، محمد عوض، نور الشريف، حسين الشربينى، أحمد زكى، ومن الجيل الجديد محمد هنيدى ومحمد سعد، وغيرهم كثير، وأتذكر أيضًا أن لكل فنان ركنًا خاصًا يحبه أو كرسيًا معينًا يفضل الجلوس عليه.

وأكد أن رقم التليفون الأرضى الخاص بالمقهى كان الوسيلة الأساسية لتلقى أوردرات الشغل، فهى بمثابة سنترال للفنانين حيث كان الفنانون ينتظرون مكالمة الريجسير على هاتف المقهى، مقهى بعرة يعتبرالمركز الرئيسى والملتقى الأول للأوردرات والشهرة فكانت ملتقى لمديرى الإنتاج وصانعى السينما، خاصة أنها قريبة من وسط البلد بكل ما تضمه من دور عرض، شركات إنتاج، غرفة صناعة السينما نفسها والاستوديوهات. وتابع قائلاً «الزمن تغير، وبدل من التلاقى المباشر، سهل الموبايل الأمور والتواصل، وقل زوارها من الفنانين، لكننا مازالنا نحافظ على شكلها من الخارج والداخل، ومازلنا نحتفظ بطابعها الخاص، نفس شكل الكراسى والطاولات والكوبايات والفناجين وغيرها من الأدوات المستخدمة فى المقهى، وجدرانها مازالت تزينها صور الفنانين القدامى على مر رحلة الفن المصري» .
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







