بحث الشاعر النمساوى راينر ماريا ريلكه عن الإرشاد الروحي، وخلال رحلته فى أنحاء روسيا بصحبة لو أندرياس سالومى، اتجها لزيارة تولستوى باعتباره المعلم الأمثل.
الاثنين:
مثل غيرى، صُدِمت وأنا أتابع تفاصيل مقتل سارة حمدى جوعًا وإنهاكًا فى محبسها بغرفة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة والآدمية الصادم هنا هو حجم التوحش الكامن فى ثناياها، وحجم التواطؤ الذى سمح باختفاء فتاة لا حول لها ولا قوة لأكثر من عام عن الأنظار، دون أن يلفت هذا الغياب انتباه أحد.
ما حدث فى قرية خزام بمحافظة قنا يمكن وصفه بجريمة كاشفة لما هو أبعد من حدودها المباشرة، إذ تعرى منظومة اجتماعية كاملة، وتفضح أشكالًا متعددة من التواطؤ تسمح بتعنيف فئات بعينها أو حتى قتلها، بحجة التأديب والتربية أو العادات والتقاليد.
بدلًا من أن يكون الأب ملاذًا لابنته، احتجزها وعاقبها بالتجويع حتى الموت. والمؤلم أن إساءة معاملته لسارة لم تبدأ بواقعة الحبس التى أفضت إلى موتها، فقد حررت محضرا ضده قبل أعوام قليلة، ثم اضطرت إلى التصالح معه والتنازل عن بلاغها تحت ضغط ووعود من معارف وأقارب.
حقيقة لا أعرف ما يشعر به هؤلاء الآن: هل يشعرون بالذنب لأنهم، دون قصد منهم، أسهموا فى تعذيبها على مدار شهور، وصولًا إلى موتها ميتة وحشية؟ أم أن أمرها لم يهمهم منذ البداية، وجل ما أرادوه إنقاذ قاتلها من العقاب؟
قد يكون من المستحيل الإجابة عن مثل هذه الأسئلة إلا تخمينًا، لكن الأهم الآن هو العمل الجاد على منع تكرار حوادث من هذا النوع مستقبلا، عبر بناء منظومة متكاملة لمواجهة العنف الأسرى، وتشديد العقوبات على مرتكبيه، وعدم التهاون معه تحت أى مسمى.
على هامش جائزة ساويرس
الثلاثاء:
قبل سنوات، وخلال مناقشة لمجموعته القصصية «لم أعرف أن الطواويس تطير» بمكتبة الكتب خان، قال الكاتب الكبير بهاء طاهر إن مصر جنة القصة القصيرة قد يبدو تصريح كهذا للبعض من قبيل المبالغة أو الانحياز والتشجيع، وربما بدا لى كذلك آنذاك ومع ذلك، رافقتنى كلمات بهاء طاهر، واعتدت استعادتها كلما قرأت مجموعة قصصية جميلة لكاتب مصرى وكثيرًا ما فعلت، فدائمًا ثمة جديد طازج ومدهش يقدمه الكتاب المصريون، على اختلاف أجيالهم، فى هذا الفن. لا يعنى هذا أن ما يصدر من قصص قصيرة مصرية مميز، لكننا لا نعدم وجود أعمال قصصية لافتة، فثمة وفرة حقيقية فيها.
لذا كان من الطبيعى أن يثير ما حدث فى حفل توزيع جوائز ساويرس الأدبية نقاشًا وصل أحيانًا لدرجة الغضب والرفض. من حيث المبدأ، يحق لأى لجنة تحكيم حجب الجائزة إن رأت أن الأعمال المقدمة لا ترقى إلى المستوى المرجو.
هذا حق أصيل لا جدال فيه، وعلى الكتاب المشاركين فى أى جائزة الإقرار بهذا، ما داموا قد ارتضوا مبدأ تقييم أعمالهم من جانب محكميها. غير أن ما حدث فى جائزة القصة القصيرة فرع شباب الأدباء، لم يكن مجرد حجب لا نعرف معه أسماء من تقدموا وحُجِبَت أعمالهم لقد توافقت لجنة التحكيم على اختيار قائمة قصيرة مكونة من أربع مجموعات قصصية لأربع كاتبات، اختارت من بينها مجموعة للفوز بالمركز الثانى وحجبت المركز الأول وتضمنت الكلمة التى ألقاها عضو لجنة التحكيم؛ الشاعر جرجس شكرى على المسرح، ما اعتبره كثيرون وصاية مرفوضة ونظرة تُلزِم الكتَّاب بقواعد جامدة لا تجديد فيها.
والسؤال الذى يطرح نفسه الآن: لماذا أعلنت لجنة التحكيم قائمة قصيرة، إذا كانت الأعمال المقدمة لم تنل إعجابها؟
أن تكون نفسك
الأربعاء:
فى قصة بعنوان «الشاعر» للكاتب الصربى دانيلو كيش (1935 - 1989)، يُعتقَل شاعر بسبب كتابته قصيدة ضد النظام الحاكم وبدلًا من تعذيبه، يطلب منه السجان كتابة قصيدة مديح يكفِّر بها عن «ذنبه» يكتب الشاعر قصيدة أولى ويعرضها على السجان، فلا يقتنع الأخير بها، ويقول له: أريد أفضل ما يمكنك كتابته.
يعود الشاعر إلى زنزانته ويعكف على كتابة قصيدة جديدة آملًا أن تنال رضا السجان، فيتكرر رد الفعل نفسه لا ييأس الشاعر ويحاول مرة بعد أخرى، وتمر مهلة زمنية تلو الأخرى بلا طائل، مرة يطلب السجان أن تكون القصيدة بأسلوب الشاعر الروسى ماياكوفسكى ومرة بأسلوب شاعر آخر ولا يعترض الشاعر المسجون، بل يستمر فى الكتابة، محاكيًا آخرين، على أمل الإفراج عنه.
فى النهاية يُطلَق سراحه، ويعود إلى شقته الخالية المتربة بعد غيابه الطويل عنها. يحلق ذقنه ويستحم ويرتدى ثيابًا نظيفة، ثم ينتحر.
يعرف شاعر دانيلو كيش، شأنه شأن أى مبدع حقيقي، أن وجوده ونجاته مرهونان بامتلاك صوته الخاص، وموته كامن فى التنازل عن أسلوبه ومحاكاة أساليب الآخرين، وبالتالى فقد انتحر حقًا حين تخلى عن بصمته الشخصية ككاتب أملًا فى نيل حريته، قبل إدراك أن حريته الحقيقية تكمن فى التمسك بأن يكون نفسه.. قرأت قصة «الشاعر» قبل سنوات، وأعدت قراءتها مرارًا، ثم انتبهت مؤخرًا إلى أنها صارت أكثر راهنية فى عصر الذكاء الاصطناعى والكتابة الآلية.
درس لريلكه وغيره
الخميس:
فى شبابه، بحث الشاعر النمساوى راينر ماريا ريلكه عن الإرشاد الروحي، وخلال رحلته فى أنحاء روسيا بصحبة لو أندرياس سالومي، اتجها لزيارة تولستوى باعتباره المعلم الأمثل. حين وصلا إلى بيته، بلغتهما أصوات شجار عاصف، ومن الداخل سمعا نحيب زوجته.
سار معهما تولستوى فى الحديقة غير متأثر والهواء يعبث بلحيته البيضاء ولمّا أخبره ريلكه أنه شاعر، بدأ تولستوى وصلة هجاء فى الفن أحبطت ريلكه الذى لم يجد سوى نصيحة واحدة عند الروائى الكبير: اكتب! فقط «اكتب»، دون المزيد من الشرح.
معلم ريلكه الثانى كان النحات العظيم رودان، الذى نصحه بالشيء نفسه تقريبًا: «اعمل بلا توقف».
استوعب ريلكه الدرس، وسارت حياته بأكملها على قدر كبير من الصرامة: عمل لا ينتهى وقرار حاسم منذ البداية بتفضيل العمل الشاق؛ كتابة وقراءة على أى شيء آخر. لا ريب أن جملتَى تولستوى ورودان لم تفارقاه قط.
هاتان النصيحتان تستدعيان إلى ذهنى ما كتبه الجاحظ قبل قرون: «ينبغى لمن كتب كتابًا ألا يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء، وكلهم عالم بالأمور، وكلهم متفرغ له». وهى نصيحة تشدد على الإتقان كأن العالم بأسره يتصيد أخطاء الكاتب وهفواته، ومن ثم عليه التجويد كى يضيِّع أى فرصة على المتربصين. وأجمل ما فى النصائح الثلاث أنها صالحة فى العموم، ولا تقتصر على الكتابة أو فن النحت فقط.
المُزارع الأمهر
الجمعة:
لا يشير هذا العنوان إلى أحد البشر، بل إلى حيوان يعد من أبرع زارعى الأشجار دون قصد، إذ أسهم فى تكثيف الغابات عبر زراعة عدد لا يُحصَى من الأشجار، خاصةً أشجار البلوط. والحيوان المقصود هو السنجاب الذى يعيش فى مناطق عديدة من العالم، ويشتهر بسرعة حركته وركضه الدائم، كأنه يهرب دومًا من خطر الافتراس، ولا يكف عن الحفر فى الأرض لتخزين غذائه من البذور وجوز البلوط والصنوبر.
تخزِّن السناجب كميات هائلة من الغذاء فى باطن الأرض، ثم تنسى أماكن التخزين، فتظل تحفر هنا وهناك، فتعثر على جزء من مخزونها، وتخفق لحسن الحظ فى العثور على جزء آخر، تنبت منه أشجار الصنوبر والبلوط وغيرها، مما يعوِّض ما نخسره سنويًا بسبب حرائق الغابات.

حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين
سفارى قتل البشر







