مؤتمر وطني يعيد صياغة دور الآثار المصرية كقوة ناعمة مؤثرة

المؤتمر العلمي الأول الذي تنظمه وزارة السياحة والآثار
المؤتمر العلمي الأول الذي تنظمه وزارة السياحة والآثار


في مشهد يجمع بين عبق التاريخ ورؤية المستقبل، احتضن المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط مؤتمرًا وطنيًا رفيع المستوى، ليؤكد أن الآثار والتراث لم يعودا مجرد شواهد على الماضي، بل أصبحا أدوات استراتيجية فاعلة في دعم الهوية الوطنية، وتعزيز الحضور الدولي لمصر، وترسيخ مكانتها الحضارية كإحدى أعرق دول العالم.

انطلقت صباح اليوم فعاليات المؤتمر العلمي الأول الذي تنظمه وزارة السياحة والآثار تحت عنوان «الآثار والتراث.. قوة مصر الناعمة»، على مسرح المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط، بحضور شريف فتحي وزير السياحة والآثار، وقيادات المجلس الأعلى للآثار، وعدد من الوزراء السابقين، إلى جانب نخبة من الأكاديميين والخبراء المصريين والدوليين، ورؤساء الجامعات، ومديري المتاحف، وممثلي المعاهد البحثية المتخصصة.

ويأتي انعقاد المؤتمر في إطار استراتيجية الدولة لتعظيم الاستفادة من التراث الحضاري المصري، بوصفه أحد أهم روافد القوة الناعمة، وعنصرًا رئيسيًا في دعم التنمية السياحية المستدامة، وتعزيز الوعي المجتمعي بقيمة الآثار باعتبارها إرثًا إنسانيًا ومسؤولية وطنية مشتركة.

ويركز المؤتمر على عدد من المحاور الحيوية، من بينها دور التعليم الأثري في ظل التطور التكنولوجي والتحول الرقمي، وآفاق التعاون الدولي والإقليمي في مجالات حماية وصون التراث، إضافة إلى العلاقة التكاملية بين السياحة والآثار، وتأثيرها الاقتصادي والاجتماعي، ودورها في بناء صورة ذهنية إيجابية عن مصر في الخارج.

وشهدت جلسات المؤتمر نقاشات موسعة حول الاتجاهات الحديثة في التعليم الأثري، وأهمية تطوير المناهج وربطها بالتقنيات الرقمية الحديثة، بما يسهم في إعداد كوادر قادرة على التعامل مع متطلبات العصر، إلى جانب استعراض نماذج ناجحة للتعاون الدولي في مجالات الحفائر، والترميم، والتوثيق العلمي.

وفي كلمة له خلال المؤتمر، أكد الطيب عباس، الرئيس التنفيذي للمتحف القومي للحضارة المصرية، أن الآثار والتراث يمثلان أحد الأعمدة الرئيسية للدولة المصرية، لما لهما من دور محوري في ترسيخ الهوية الوطنية، وإبراز العمق الحضاري لمصر، وتعزيز مكانتها الثقافية إقليميًا ودوليًا.

وأوضح عباس أن الهدف الأساسي من المؤتمر يتمثل في خلق حوار جاد وبنّاء بين مختلف مؤسسات الدولة وقيادات العمل الأثري، بما يسهم في توحيد الرؤى وتكامل الجهود، للحفاظ على التراث المصري واستثماره بصورة مستدامة تعكس قيمته الحضارية، وتدعم أدوات القوة الناعمة للدولة.

وأشار إلى أن المتاحف المصرية، وعلى رأسها المتحف القومي للحضارة المصرية، لم تعد مجرد أماكن للعرض، بل تحولت إلى منصات ثقافية ومعرفية قادرة على مخاطبة الداخل والخارج، وتعزيز وعي المواطنين بأهمية التراث ودوره في بناء المستقبل.

وشدد عباس على أهمية استمرار تنظيم مثل هذه الفعاليات العلمية، لما تتيحه من فرص لتبادل الخبرات، وتوسيع آفاق التعاون بين الجهات المعنية، ووضع رؤية واضحة لدور الآثار والتراث في دعم التنمية الثقافية والسياحية، وبناء صورة ذهنية إيجابية عن مصر وتاريخها الممتد.

من جانبه، أكد الدكتور محمد إسماعيل، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن مصر تمتلك ثروة أثرية فريدة، إذ تضم أكثر من 2200 موقع أثري على مستوى الجمهورية، لافتًا إلى أن هذه المواقع تخضع لخطط دقيقة توازن بين إتاحتها للزيارة والحفاظ عليها وصونها للأجيال القادمة.

وأوضح إسماعيل أن هناك 16 موقعًا أثريًا من أبرز المقاصد السياحية العالمية، من بينها منطقتا أهرامات الجيزة وسقارة، والتي تستقطب ملايين الزائرين سنويًا، نظرًا لقيمتها التاريخية والحضارية الاستثنائية.

وأشار إلى أن عدد المتاحف في مصر يبلغ 42 متحفًا متنوعًا، تمثل مختلف عصور الحضارة المصرية، وتسهم بدور فاعل في نشر الوعي الثقافي والتاريخي على المستويين المحلي والدولي.

وأكد أن المتحف القومي للحضارة المصرية والمتحف المصري الكبير يتمتعان بنظم إدارة اقتصادية خاصة، تتيح لهما تطوير مستوى الخدمات المقدمة، وتعظيم الاستفادة من مواردهما، بما يتناسب مع مكانتهما العالمية ودورهما الثقافي والسياحي.

وأضاف أن هذه الجهود تأتي في إطار رؤية الدولة لتعظيم دور الآثار والتراث كأحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية، ودعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز صورة مصر الحضارية على الساحة الدولية.

وكشف إسماعيل عن أن مصر تشهد حاليًا نشاطًا أثريًا واسع النطاق، من خلال عمل نحو 350 بعثة أثرية أجنبية في مواقع مختلفة بجميع محافظات الجمهورية، بالتعاون مع أكثر من 21 دولة، إلى جانب 50 بعثة أثرية مصرية تعمل بالتوازي، في إطار دعم الكوادر الوطنية، وتعزيز دور الباحثين المصريين في أعمال الحفائر والترميم والدراسات العلمية.

وفي سياق الاكتشافات الأثرية، أشار إسماعيل إلى أحد الاكتشافات المهمة، موضحًا أن إحدى المقابر المكتشفة تضم نصًا يشير إلى محاولة أحد الموظفين إخفاء مقبرة ملكية عبر تغطيتها بالطين، لافتًا إلى أن أعمال البحث والدراسة لا تزال جارية لتحليل هذه النصوص بدقة علمية.

وأكد أن الإعلان الكامل عن نتائج هذه الدراسات من المتوقع أن يتم خلال عام 2026، مشيرًا إلى أن هذا الكشف قد يُعد من أهم الاكتشافات الأثرية المرتقبة، لما يحمله من دلالات تاريخية وعلمية مهمة.

وفي ملف التراث العالمي، أوضح إسماعيل أن مصر لم تسجل أي موقع أثري جديد على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو منذ أكثر من 20 عامًا، وهو ما تسعى الوزارة حاليًا إلى تغييره من خلال إعداد ملف متكامل لترشيح موقع تل العمارنة.

وأكد أن تل العمارنة يعد من أهم المواقع الأثرية المرتبطة بتاريخ الدولة الحديثة وفترة حكم إخناتون، بما يؤهله للانضمام إلى قائمة التراث العالمي، مشيرًا إلى أن فرق العمل المصرية تواصل إعداد الدراسات العلمية، والخرائط، والملفات الفنية المطلوبة، وفقًا لمعايير منظمة اليونسكو، وبالتنسيق مع الجهات المعنية داخل الدولة.

ويعكس المؤتمر، بما تضمنه من جلسات علمية وتصريحات رسمية، توجه الدولة نحو إعادة صياغة دور الآثار والتراث، ليس فقط ككنوز تاريخية، بل كقوة ناعمة فاعلة تسهم في دعم الهوية الوطنية، وتعزيز التنمية، وترسيخ مكانة مصر الحضارية على خريطة العالم.