لم يعد الدور المصري في القضية الفلسطينية مقتصرًا على احتواء الأزمات أو إدارة لحظات التوتر، بل انتقل إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتعلق بصياغة ما بعد الصراع، ووضع ترتيبات سياسية وإدارية تضمن عدم العودة إلى مربع الفوضى. فخلال الشهور الأخيرة، تحولت القاهرة إلى مركز ثقل حقيقي لإعادة تنظيم المشهد الفلسطيني، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية.
في هذا السياق، برزت التحركات المصرية بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، كعامل توازن حاسم، خاصة مع تصاعد محاولات فرض حلول أحادية على الأرض، أو الدفع باتجاه سيناريوهات تهجير قسري للفلسطينيين من قطاع غزة. وهي سيناريوهات واجهتها القاهرة بموقف واضح وحازم، يقوم على رفض المساس بالحقوق الفلسطينية أو تفريغ الأرض من سكانها.
من الوساطة إلى بناء الإطار السياسي
اللافت في التحرك المصري الأخير أنه تجاوز دور الوسيط التقليدي بين الأطراف، ليتحول إلى شريك رئيسي في صياغة الإطار السياسي والإداري للمرحلة المقبلة.. وقد تجسّد ذلك في رعاية القاهرة لإطلاق لجنة وطنية فلسطينية تتولى إدارة قطاع غزة خلال مرحلة انتقالية، في خطوة تهدف إلى سد الفراغ الإداري، وضمان الفصل بين العمل المدني وأي تجاذبات فصائلية.
اختيار القاهرة كنقطة انطلاق لأعمال اللجنة لم يكن محل مصادفة، بل جاء انعكاسًا لثقة إقليمية ودولية في قدرة مصر على إدارة الملفات المعقدة، وضمان التزام جميع الأطراف بتفاهمات قابلة للتنفيذ على الأرض.
اقرأ أيضا: الرئيس السيسي يشيد بجهود الرئيس ترامب في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار
مرجعية دولية وضمانات تنفيذ
يستند المسار الجديد إلى مرجعية قانونية دولية، في مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم (2803)، إلى جانب مبادرة السلام الأمريكية المطروحة، وهو ما يمنح الترتيبات الجارية غطاءً سياسيًا دوليًا، ويقلل من احتمالات عرقلتها. وتعمل القاهرة، بالتنسيق مع شركائها الدوليين، على ضمان الانتقال التدريجي من حالة الصراع المفتوح إلى إدارة مدنية منظمة، تضع الاحتياجات الإنسانية في مقدمة أولوياتها.
وتتضمن الخطة ترتيبات متزامنة تشمل إعادة انتشار القوات الإسرائيلية، وتوفير بيئة آمنة لعمل الإدارة المدنية في القطاع، مع بحث آليات دولية لدعم الاستقرار ومنع تجدد المواجهات.
اقرأ أيضا: الرئيس السيسي: وجهت خطابًا للرئيس ترامب تضمن شواغلنا ذات الصلة بالأمن المائي
إدارة انتقالية بملامح مهنية
اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة تضم مجموعة من الشخصيات الفلسطينية ذات الخلفيات المهنية والتنموية، وتمتد ولايتها لعامين، في محاولة لتكريس نموذج إداري يركز على الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي. ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها اختبارًا عمليًا لإمكانية توحيد الإدارة بين غزة والضفة الغربية، تحت مظلة سلطة فلسطينية واحدة.
الأولوية العاجلة للجنة، وفق التصورات المطروحة، تتمثل في معالجة الملفات الإنسانية الأكثر إلحاحًا، خاصة ما يتعلق بالإغاثة، والرعاية الصحية، وإعادة تأهيل البنية المجتمعية، ولا سيما الأطفال والنساء الذين تضرروا بشكل مباشر من الحرب.
اقرأ أيضا: أحزاب: رسالة ترامب للرئيس السيسي تعكس قوة مصر في إدارة الأزمات وعدالة موقفها في ملف مياه النيل
عادة الإعمار… أبعد من الترميم
ضمن الرؤية المطروحة، لا تقتصر عملية إعادة الإعمار على إصلاح ما دمرته الحرب، بل تمتد إلى إعادة التفكير في البنية العمرانية والاقتصادية للقطاع. وتُطرح أفكار طويلة الأمد تهدف إلى معالجة الاختناق الجغرافي، وخلق فرص تنمية حقيقية تقلل من احتمالات الانفجار مستقبلاً.
ثوابت مصرية لا تتغير
رغم تعدد المسارات، تظل الثوابت المصرية حاضرة بوضوح: لا حلول جزئية على حساب وحدة الأرض الفلسطينية، ولا ترتيبات دائمة دون ربط قطاع غزة بالضفة الغربية سياسيًا وإداريًا. وهو موقف ترى القاهرة أنه يشكل صمام الأمان الوحيد في مواجهة محاولات فرض واقع جديد بالقوة، سواء في غزة أو في القدس والضفة.
في المحصلة، تعكس التحركات المصرية انتقالًا مدروسًا من إدارة الأزمات إلى هندسة الحلول، في محاولة لوضع أساس سياسي مستدام يخفف من معاناة الفلسطينيين، ويعيد ترتيب الأولويات الإقليمية بعيدًا عن منطق الحروب المفتوحة.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







