فى خضم تحولات الاقتصاد العالمى، حيث تتحول القواعد البيئية إلى معايير تجارية صارمة، تبرز «آلية تعديل الكربون عند الحدود CBAM» التى يفرضها الاتحاد الأوروبى كواحد من أبرز التحديات التى تواجه الصادرات المصرية. لكن وراء هذا التحدى، تكمن فرصة ذهبية قد تعيد رسم خريطة التنافسية المصرية على المستوى الدولى، وهى فرصة التحول نحو اقتصاد أخضر تكون فيه الطاقة النظيفة فى قلبه.
فلم تعد الطاقة المتجددة مجرد خيار بيئى أو رفاهية تنموية، بل أصبحت سلاحًا استراتيجيًا يمكن أن يحول شبكة الكهرباء المصرية من مجرد بنية تحتية وطنية إلى منصة تصديرية خضراء، تنتج سلعتين: الإلكترونات النظيفة، والمنتجات الصناعية منخفضة الكربون.
لطالما اعتبرت مصر دولة غنية بالموارد الطبيعية التقليدية، لكن المستقبل يكمن فى استغلال مواردها الطبيعية غير التقليدية: الشمس الساطعة والرياح المستمرة. هذه الموارد، إذا ما أحسن استغلالها، يمكن أن تضع مصر على خريطة الطاقة الخضراء العالمية، ليس فقط لسد احتياجاتها المحلية، بل لتصبح مصدرًا رئيسيًا للطاقة النظيفة لمنطقتها ولأوروبا.
أربعة مسارات للتحول إلى مُصدِّر أخضر، الأول: مصانع خضراء لمنتجات خضراء، يمكن لمصر أن تنشئ مناطق صناعية خضراء متكاملة، تعمل بالكامل بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتكون مخصصة للصناعات التصديرية. المصانع فى هذه المناطق ستنتج سلعًا تحمل «جواز سفر أخضر»، معترفًا به دوليًا، مما يجعلها فى مأمن من الرسوم الكربونية ويعزز قيمتها التنافسية فى الأسواق التى تضع الاستدامة على رأس أولوياتها.
المسار الثانى: تصدير الإلكترونات الخضراء، بدلاً من تصدير منتجات عالية الانبعاثات وتكبد رسوم عليها، يمكن لمصر أن تصدر الطاقة النظيفة نفسها. مشاريع الربط الكهربائى مع دول الجوار ومع أوروبا تفتح نافذة لتحويل الفائض من الطاقة المتجددة إلى عائدات مالية مباشرة، فى صفقات «إلكترونات خضراء» تكون مربحة للطرفين.
المسار الثالث: وقود المستقبل الأخضر،، تمتلك مصر المقومات الجغرافية والطبيعية لتكون رائدة فى إنتاج الهيدروجين الأخضر، وهو وقود المستقبل الذى تتسابق عليه الدول الصناعية. تحويل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح إلى هيدروجين أخضر وأمونيا خضراء قابلة للتصدير، سيدخل مصر نادى مصدرى الطاقة المتقدمة، بمنتج نظيف وعالى القيمة.
المسار الرابع: اقتصاد الشهادات الخضراء، يمكن أن تطور مصر نظامًا وطنيًا لشهادات ضمان أصل الطاقة الخضراء، حيث يثبت كل ميجاواط ساعة منتج من مصدر متجدد. هذه الشهادات يمكن أن تكون سلعة قابلة للتداول دوليًا، تضيف قيمة معنوية ومادية للمنتجات المصرية، وتسمح للشركات العالمية بالوفاء بالتزاماتها البيئية من خلال سوق مصرى.
لا يخلو هذا الطموح من عقبات. فهناك تكاليف باهظة للتحول البنيوى، وتحديات تقنية فى تخزين الطاقة المتقطعة، ومنافسة شرسة من دول إقليمية تسعى لنفس الهدف. كما أن الأمر يتطلب تحديثًا تشريعيًا وإطارًا تنظيميًا داعمًا للاقتصاد الأخضر لكن المكاسب المحتملة تفوق التكاليف بكثير.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







