في عمق أحد الملاجئ الصخرية بجنوب أفريقيا، ظلت شواهد صامتة ترقد لآلاف السنين، تحمل بين تفاصيلها قصة ذكاء إنساني مبكر وقدرة مذهلة على التكيف مع الطبيعة،واليوم، أعاد علماء الآثار إحياء هذه القصة بعد اكتشاف يعد من أقدم الأدلة المعروفة على استخدام الإنسان للسموم في الصيد، كاشفا جانبًا متقدمًا من مهارات أسلافنا في البقاء والتخطيط.
اقرا أيضأ|قلق مستمر حول شيرين عبد الوهاب.. نداءات إنقاذ تتجدد وغموض يلف المشهد
اكتشاف يعيد رسم ملامح الصيد القديم
تمكن فريق بحثي مشترك من السويد وجنوب أفريقيا من العثور على رؤوس سهام مصنوعة من حجر الكوارتز، يعود تاريخها إلى نحو 60 ألف عام، داخل ملجا "أومهلاتوزانا" الصخري في مقاطعة كوازولو ناتال، وأظهرت التحاليل الدقيقة أن هذه السهام لم تكن أدوات بدائية فحسب، بل صممت بعناية وحملت بمواد سامة بهدف شل حركة الحيوانات المصابة، بدلًا من قتلها فورا، ما يعكس فهما متقدما لسلوك الفريسة وآليات الصيد الذكي.
سم لا يقتل سريعا.. بل يمنح الصياد فرصة
وأوضحت الدراسة، المنشورة في مجلة Science Advances، أن الصيادين في العصر البليستوسيني استخدموا السم كجزء من استراتيجية صيد مدروسة، تعتمد على إبطاء حركة الحيوان وإرهاقه قبل الانقضاض عليه، هذا الأسلوب يتطلب إدراكا واضحا للعلاقة بين السبب والنتيجة، وقدرة على توقع ما سيحدث لاحقا، وهو ما يدل على تطور القدرات العقلية لدى الإنسان القديم.
معرفة سبقت زمنها بآلاف السنين
قبل هذا الاكتشاف، كان يعتقد أن أقدم استخدام معروف للسهام السامة يعود إلى ما بين 4 آلاف و8 آلاف عام، خلال منتصف العصر الهولوسيني، إلا أن السهام المكتشفة حديثا دفعت هذا التاريخ إلى الوراء بعشرات الآلاف من السنين، ما يؤكد أن الإنسان القديم امتلك معرفة تقنية وثقافية متقدمة في وقت مبكر للغاية.
وقد كشفت التحاليل أن السم المستخدم استخلص من نبتة محلية شديدة السمية تعرف باسم بوفون ديستيشا (B. disticha)، القادرة على قتل القوارض خلال فترة قصيرة، بينما تسبب للبشر أعراضا خطيرة مثل الغثيان وضعف البصر والعضلات، اللافت أن آثار هذا السم ذاته وُجدت على سهام تعود إلى فترات لاحقة، ما يشير إلى انتقال هذه المعرفة عبر الأجيال.
شهادة علمية على ذكاء الأسلاف
وفي تعليق له على النتائج، أكد سفين إيساكسون، عالم الآثار بجامعة ستوكهولم وأحد المشاركين في الدراسة، أهمية العثور على آثار السم نفسه على رؤوس سهام تعود إلى عصور مختلفة، معتبرا ذلك دليلا واضحًا على فهم عميق ومستدام لاستخدام النباتات في الصيد.
لا يروي هذا الاكتشاف قصة سهام حجرية فحسب، بل يفتح نافذة واسعة على عقل الإنسان الأول، وقدرته على التعلم من الطبيعة وتطويعها لخدمته، وبين جدران ملجأ صخري صامت، تَبين أن أسلافنا لم يكونوا مجرد ناجين، بل مفكرين ومخططين، وضعوا أولى اللبنات في مسيرة الابتكار البشري التي ما زالت تتواصل حتى اليوم.

أغنية غير رسمية تشعل المنافسة.. هل تخطف الأضواء من نشيد مونديال 2026؟
مخاوف صحية تسبق المونديال.. أميركا ترفع جاهزيتها لمواجهة الأمراض المعدية
الإيبولا يثير توتراً بين واشنطن وبروكسل قبل انطلاق كأس العالم







