بالمصرى

سيدى الإمام الطيب

أحمد حمدى
أحمد حمدى


فى عيد ميلاده الثمانين، لا نحتفل بعمرٍ مضى، بل نقف إجلالًا لمسيرة إنسانٍ نادر، سيدى الإمام أحمد الطيب، الذى أثبت أن العِلم حين يسكن القلب يتحوّل إلى رحمة، وأن المنصب حين تحكمه القيم يصبح رسالة.

وُلد سيدى الإمام فى صعيد مصر، فى بيت علم وصلاح، ونشأ فى بيئة صوفية عرفت الصلح قبل الخصومة، وجعلت من لمّ الشمل طريقًا للحياة. حفظ القرآن صغيرًا، وتدرّج فى الأزهر حتى صار أحد أعلامه، لكن هذه النشأة لم تكن مجرد سيرة علمية، بل كانت تأسيسًا لإنسانٍ يرى فى الناس أهلًا، وفى الخلاف فرصة للعدل، وفى الدين بابًا للرحمة لا سيفًا للإقصاء.

إنسانية سيدى الإمام لم تكن يومًا شعارًا، بل فعلًا صامتًا. فى جائحة كورونا، لم يكتفِ بالدعاء أو الخطاب، بل قدّم من ماله دعمًا للدولة، وتكفّل بتعليم أبناء الأطباء الذين رحلوا وهم يؤدون واجبهم الإنسانى. وحين نال جوائز عالمية رفيعة، لم يحتفظ بها لنفسه، بل وجّه قيمتها للفقراء، والمرضى، والغارمين، وطلاب الأزهر الوافدين، وكأن لسان حاله يقول: ما نلناه باسم الإنسانية، نرده للإنسان.

سيدى الإمام حاضر فى القرى قبل العواصم؛ فى تجهيز عروسٍ يتيمة، وفى مساعدة محتاج، وفى ساحة الطيب بالأقصر حيث يلتقى الناس بلا حواجز. قراراته جعلت الأزهر مظلة أمان للأيتام وغير القادرين، ودعم الطلاب الأجانب ماديًا ومعنويًا، وفتح أبواب العلاج عبر قوافل طبية وصلت إلى أطراف الوطن.

على المستوى الفكرى، حمل سيدى الإمام لواء الوسطية فى عالم مضطرب، واجه التطرف بالحجة، والكراهية بالحكمة، والتكفير بالعقل. لم يساوم على ثوابت الدين، ولم يغلق الباب أمام إنسانٍ يبحث عن الأمل.

ثمانون عامًا مرّت، وسيدى الإمام لا يزال يمشى خفيفًا، لأن قلبه لم يثقل بغير الخير.. شيخًا للأزهر، وسندًا للضعفاء، ورمزًا لإنسانية لا تعرف الضجيج.