الاعتراف الإسرائيلى بما يسمى «أرض الصومال» ليس خطوة دبلوماسية، ولا قراءة واقعية لتعقيدات القرن الإفريقى، بل كسر مُتعمد لقواعد الشرعية الدولية، وإشعال محسوب لبؤرة توتر جديدة على واحد من أخطر الممرات البحرية فى العالم. ما جرى ليس بحثاً عن الاستقرار، بل إعادة إنتاج للفوضى بوصفها أداة نفوذ.
فالإقليم الذى أعلن انفصاله أحادياً عن الدولة الصومالية عام 1991 لم يحظِ باعتراف دولى لعقود، ليس تجاهلاً لخصوصيته، بل إدراك لخطورة مكافأة الانفصال فى دول هشة. حين يُكافأ التمرد بالاعتراف، تتحول وحدة الدول إلى خيار تفاوضى، وتُفتح شهية التفكيك على مصراعيها. إسرائيل، بخروجها على الإجماع الدولى، لا تعترف بإقليم، بل تضرب مبدأ سيادة الدول فى الصميم.
الخطورة الحقيقية لا تكمن فى «أرض الصومال» ذاتها، بل فى موقعها. نحن نتحدث عن إقليم يطل على البحر الأحمر، وعلى مقربة مباشرة من مضيق باب المندب، حيث تمر شرايين التجارة العالمية، وأمن الطاقة، والاستقرار البحرى الدولى. أى وجود إسرائيلى هناك، مهما تنكر بغطاء اقتصادى أو تنموى، يعنى تموضعاً أمنياً واستخباراتياً متقدماً على خاصرة الأمن القومى العربى، وتحديداً الأمن القومى المصرى.
البحر الأحمر لم يُعد ممراً محايداً، بل ساحة اشتباك صامت بين القوى الكبرى. إدخال فاعلين جدد عبر اعترافات سياسية خارج إطار القانون الدولى يحول هذا البحر من ممر تجارى إلى جبهة مفتوحة. بالنسبة لمصر، التى ترى فى باب المندب امتداداً مباشراً لأمنها القومى، فإن هذا التطور لا يُقرأ بوصفه شأناً إفريقيا، بل تهديد استراتيجى مباشر.
وتزداد الصورة قتامة مع الطموح الإثيوبى المتصاعد. دولة حبيسة تسعى إلى البحر بأى وسيلة، ولو عبر تفكيك الجوار، تمثل عامل عدم استقرار بنيوي. التقاء الطموح الإثيوبى مع الاستراتيجية الإسرائيلية عند بوابة البحر الأحمر ليس صدفة، بل تقاطع مصالح يهدف إلى كسر التوازنات التاريخية فى الإقليم، وفرض واقع جديد تُدار فيه الممرات البحرية بمنطق القوة لا القانون.
أما القضية الفلسطينية، فهى الغائب الحاضر فى هذا المشهد. منطق دعم الكيانات الهشة، وتشجيع التفكيك، ليس بعيداً عن فلسفة إسرائيل فى «إدارة الصراع» لا حله. البحث عن جغرافيات بديلة، وعن ساحات جديدة لتخفيف الضغط عن مركز الصراع، يظل جزءاً من العقل الاستراتيجى الإسرائيلى. الحديث عن سيناريوهات تهجير أو تصفية القضية قد يبدو صادماً للبعض، لكنه يصبح مفهوماً حين نقرأ الخريطة كاملة، لا الحدث منفردًا.
القول إن مشروع «الشرق الأوسط الجديد» قد سقط هو قراءة ساذجة. المشروع لم يُهزم، بل أعاد التموضع. ومصر، التى أفشلت أخطر محاولات تفكيكها، لا تزال حجر العثرة الأكبر، ولهذا تُستهدف دوائر أمنها المحيطة. النيل جنوبًا، غزة شرقًا، والبحر الأحمر من بوابته الإفريقية.
ما يحدث فى أرض الصومال ليس تجربة معزولة، بل اختبار للإرادة الدولية. فإذا مرّ هذا العبث بلا ردع، تصبح الشرعية الدولية مجرد أداة انتقائية، ويصبح التفكيك سياسة مُعتمدة. وحينها، لن يكون السؤال: من التالى، بل من تبقى.

اتفاق مبدئى!
فى غزة.. الوقت من دم
إيمان راشد تكتب: ميزان العدل






