تعود عشاق الكاتب الصحفى الروائى الكبير إحسان عبد القدوس الاحتفال بعيد ميلاده فى الأول من يناير كل عام، ويقول نجله الزميل محمد عبد القدوس: إن والده الذى كان يحمل لقب «سانو» كان يجمع بين الاحتفال بعيد ميلاده ورأس السنة الجديدة فى يوم واحد، ومن المفارقات القدرية الغريبة أن كاتبنا الكبير رحل فى الحادى عشر فى نفس شهر ميلاده عن عمر يناهز 71 عاماً قدم خلالها حسب الموسوعة الإليكترونية ما يقرب من ستمائة رواية وقصة قصيرة، تحولت 49 رواية منها لأفلام سينمائية، و5 روايات منها تحولت لمسرحيات، و9 روايات منها تحولت لمسلسلاتٍ إذاعية، و10 روايات أخرى تحولت لمسلسلات تليفزيونية، وتُرجم منها 65 رواية للإنجليزية والفرنسية والألمانية والأوكرانية والصينية، ومئات من المقالات السياسية الجريئة التى سببت له الكثير من المشاكل مع السلطة وأدت إلى دخوله السجن بقرار من صديقه الرئيس عبد الناصر، واليوم نضيء له الشمعة 107 فى ذكرى ميلاده.
كتب إحسان عبد القدوس مقالاً عن يوم ميلاده قال فيه : «أول يناير قبل سنوات، فى مثل هذا اليوم وفى منتصف الليل تماماً وبينما كان التاريخ يقلبه صفحات الزمن من عام إلى عام، والعالم يرقص ويتبادل الأنخاب والقبلات تحية لعام ۱۹۲۰، وكان المصريون فى ثورتهم يحصدهم رصاص الإنجليز ليُخمد فى حناجرهم صوت الحرية والاستقلال، دوت «واء.. واء» فى أذن الوجود لتبشر بمولدى السعيد! واستمرت حياتى إلى اليوم، بصورة من ليلة مولدی: رقص ودموع، ودم وقبلات ولكمات وضحكات وعرق، وظلمات تبددها الأنوار.. ولا أذكر فى حياتى أننى ربحت ربحاً سهلاً أو حققت أمنية بمجرد أن طلبتها من الله، أو خطوت خطوة اعتمدت فيها على الحظ وحده.. فقد كتبت أول قصة فى حياتى عندما كنت فى العاشرة من عمرى، وكانت تمثيلية أردت من أطفال الحى أن يقوموا بتمثيلها، ولكن أحد أقربائى كان يقوم بالإشراف على حياتى المدرسية لمح القصة فى يدى فضربنى ضرباً ما زالت آثاره فوق جسدى، ومزق القصة، فحاولت الانتحار وفضلت أن أهرب من المنزل، وقد هربت ليلتها وأعدت كتابة القصة على ضوء مصباح الشارع وقمنا بتمثيلها فى اليوم التالى، وكتبت أول خبر صحفى عندما كنت فى السنة الرابعة الابتدائية بمدرسة «خليل أغا» الملكية، وكان خبراً عن نجل زكى الإبراشى باشا زميلى بنفس المدرسة، وقدمت الخبر لمصطفى أمين الذى كان يتولى تحرير باب الطلبة فى «روزاليوسف» فهنأنى عليه ثم مزقه، وأعاد كتابته وعرضه على الأستاذ محمد التابعى فهنأه عليه ثم مزقه وكتبه من جديد!!
وعلم ناظر المدرسة أننى أنا الذى أوصل الخبر إلى الجريدة، فنادانى وضربنى «قفا» ثم رفدنى من المدرسة لأنه لم يستطع أن يصادر المجلة، وعندما كنت فى الرابعة عشرة من عمرى أردت أن أسافر إلى الإسكندرية فى الصيف فمنعنى والدى ومنع عنى النقود وكانت لى «حصالة» صغيرة كنت أحتفظ بها للأيام السوداء بتحويش العمر كله، واعتقدت أن أيام الصيف فى القاهرة هى الأيام السوداء فحطمت الحصالة وكان بها خمسة جنيهات أخذتها وهربت إلى الإسكندرية، وقضيت هناك ثلاثة وثلاثين يوماً كنت خلالها أطهو طعامى بنفسى وأغسل ثيابى بيديّ، وأكنس وأمسح الكابينة الصغيرة التى كنت أقيم فيها، وكتب عنى يومها الأستاذ فكرى أباظة فى مجلة «المصور» مشيداً باعتماد الشباب على نفسه، واعتبرت نفسى يومها عظيماً من العظماء الذين تكتب عنهم الصحف، وكان يسرنى الاعتماد على والدى لا على نفسى فى التصييف !!
وكتبت أول قطعة أدبية نُشرت فى «روزاليوسف» اليومية عام١٩٣٥ وكانت من الشعر المنثور بعنوان «أخيراً وجدها»، أرسلتها للجريدة بالبريد وبلا إمضاء فُنشرت فى الصفحة الأدبية، وذهبت بعدها الى والدتى «روزاليوسف» لأكشف لها عن شخصية الكاتب العظيم صاحب هذه القطعة الأدبية الخالدة ولكنها ما كادت تعلم أن هذا الكاتب العظيم هو أنا حتى ثارت فى وجهى وحرمتنى من المصروف، فقد كان موضوع القصة الأدبية يدور حول فتاة وخمر، وكانت والدتى تظن حتى ذلك الحين أننى أجهل ما هى الفتاة وما هى الخمر! وعندما نلت ليسانس الحقوق رفضت وظيفة سكرتير عرضها علىّ أمين عثمان باشا ورفضت أن ألتحق بعدة شركات وقررت أن أشتغل بالصحافة مدة خمس سنوات فإن لم أنجح فقد بقى لى من العمر ما يكفى لأن أتجه اتجاهاً آخر، وبدت جميع المقدمات تبشر بفشلى فى الصحافة.. فقد طُردت من «روزاليوسف» للآراء التى لم يوافق عليها رئيس التحرير، ورفضت الاشتغال فى مجلة «الإثنين» لأن رئيس تحريرها مصطفى أمين الذى رفض أن أوقع باسمى مقالاً كتبته ونشره، ثم عملت فى «آخر ساعة» وارتقيت فيها إلى حد كان الأستاذ محمد التابعى يعهد إليّ بالإشراف على تحريرها أثناء غيابه فى رأس البر، ورغم ذلك لم يكن لى حق الإمضاء إلا بالحرف الأول من اسمى « إ »، ثم أصبح إمضائى مقصوراً على اسمى دون لقبى فكنت أوقع «إحسان»، وكان أغلب القراء يعتقدون أن الكاتب «فتاة» !!
ويستطرد كاتبنا الكبير قائلاً : «تركت - آخر ساعة - لأبحث عن جريدة أوقع فيها اسمى كاملاً، ولكنى لم أجد، وكنت قد تزوجت، وكانت عائلة زوجتى تستنكف أن أكون صحفياً حتى إنهم كتبوا فى بطاقة دعوة عقد القران أننى محامى لا صحفى، وكلما عرضت عليّ جريدة أن أعمل بها كنت أشترط أن أضع اسمی كاملاً متى أردت فكان رؤساء التحرير يرفضون، وفى الشهر الثالث فكرت فى أن أكتب قصصاً للسينما، فكتبت ثلاثاً فى يوم واحد اشترتها منى السيدة عزيزة أمير بمبلغ ٢٤٠ جنيهاً، وعندما أمسكت بالشيك فى يديّ لم أستطع أن أقول لصاحبته شكراً بل أخذت أجرى إلى بيتى ووضعت الشيك فى يد زوجتى فبكت، وعدت إلى «روزاليوسف» وقد أصبح لى حق الإمضاء، ولكنى طالبت بأن أكون رئيساً للتحرير، فرفضت والدتى واستمرت فى رفضها إلى أن بدأت حملتى على اللورد «كيلرن» ودخلت السجن، وعندما خرجت كافأتنى برئاسة التحرير وعندما خرج اللورد «كیلرن» من مصر كافأتنى بمائة جنيه، تلك كانت بعض قبلات الزمن وصفعاته، ودموعى وبسماتى.
إحسان عبد القدوس
«روزاليوسف» 8 يناير 1947

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







