لم يكن إخفاق جماعة الإخوان فى اختراق الأجيال الجديدة داخل الجامعات المصرية مجرد عثرة تنظيمية، بل هزيمة استراتيجية كاملة. فالدولة، بإجراءاتها الصارمة وتجفيفها المنهجى لمصادر التغلغل، أغلقت الأبواب التى طالما عبرت منها الجماعة إلى عقول الشباب. ومن هنا، لم تجد الجماعة بدًا من نقل معركتها إلى الخارج، حيث المساحة أوسع، والرقابة أضعف، والطالب المصرى أكثر هشاشة فى عامه الأول من الغربة.
هكذا وُلد ما يمكن تسميته بـ «جيل Gen Z الإخواني»، جيل لا يتقدم الصفوف بخطاب الوعظ التقليدي، بل بملامح ناعمة، ولغة حقوقية، وادعاءات نخبوية، يتصدره نماذج مثل: الإخوانى محمد صلاح سلطان، والإخوانية سندس عاصم شلبي، بوصفهما واجهة شابة لمشروع قديم، أعاد تغيير جلده دون أن يغير جوهره.
تعتمد الجماعة فى هذا المسار على الدارسين المصريين فى الخارج، لا باعتبارهم طلاب علم، بل «فرص تنظيمية». الطالب الذى يغادر وطنه مُحملًا بالطموح، ويصطدم بواقع مختلف ثقافياً واجتماعياً، يصبح فى عامه الأول تحديداً أكثر قابلية للتأثر والبحث عن جماعة انتماء. هنا تتقدم الإخوان بخطاب مُصمم بعناية. لا حديث مباشراً عن التنظيم، بل عن «الهوية»، و«التمييز»، و«الاغتراب»، و«فشل الدولة الوطنية».
تستغل الجماعة عملية الارتقاء التعليمى التى أُتيحت لبعض الطبقات، ليس لتكريس الوعى، بل لتحويلها إلى أداة استعلاء سياسى وأخلاقى على الدولة. يتم تصوير التفوق الأكاديمى بوصفه تفوقاً قيمياً، والدراسة فى الغرب بوصفها شهادة إدانة للوطن، لا إضافة له. ومن هذا الباب، يُعاد تشكيل وعى الطالب باعتباره «نخبة مُنقذة، لا مواطناً مشاركاً.
الضغط الذى مارسته الدولة المصرية داخل الجامعات، ونجح فى قطع الطريق على اختراق الأجيال الجديدة، تحول فى خطاب الإخوان إلى دليل قمع، يُستخدم كحافز نفسى لتجنيد الدارسين بالخارج، باعتبارهم البديل الممكن لاستكمال ما تعذر فى الداخل.
الهدف ليس الاحتجاج، بل تكوين كوادر وظيفية، سفراء للتنظيم فى الخارج، أو مندوبون مُؤجلون للداخل بعد العودة. جيل يحمل الخطاب، ويتقن اللغة، ويعرف كيف يخاطب المؤسسات الغربية، دون أن يرفع راية التنظيم صراحة.
ويُنفذ هذا المخطط عبر رصد رقمى دقيق لحسابات الطلاب القادمين من مصر. منشوراتهم، ميولهم، غضبهم، أسئلتهم. يتم تصنيفهم، ثم اختيار مدخل الاستقطاب المناسب لكل حالة، فى عملية أقرب للعمل الاستخباراتى منها إلى النشاط الطلابى.
ما تواجهه الدولة اليوم ليس تنظيماً تقليدياً ، بل محاولة لإعادة وصل ما انقطع بين أجيال الإخوان. معركة وعى مُؤجلة، تُدار من الخارج، وتستهدف الداخل.
ومن يستهين بها، يكرر خطأ قديماً دفع ثمنه الجميع.

اتفاق مبدئى!
فى غزة.. الوقت من دم
إيمان راشد تكتب: ميزان العدل






