يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: وبعد أن استقر الأمر فى شأن الحياة والموت أراد الحق سبحانه وتعالى أن يجيء بشيء هو ثمرة الحياة فى الكائن الحى وأول مظهر من مظاهر الحياة هو الحس والحركة. والحركة فى الوجود أرادها الله للإنسان؛ لأنه وهو الحق قد أراد الإنسان للخلافة فى الأرض. والخلافة فى الأرض تقتضى أن يعمر الإنسان الأرض، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا﴾ «هود: ٦١».
إن خلافة الإنسان فى الأرض تقتضى أن يتحرك ويعمر الأرض. وحين يريد الله منا أن نتحرك ونعمر الأرض فلا بد من أعمال تنظم هذه الحركة، ولا بد من فنون متعددة تقوم على العمارة. ويوزع الله الطاقات الفاعلة لهذه الفنون المتعددة ويجعلها مواهب مفكرة ومخططة فى البشر. إن الحق سبحانه لم يجعل من إنسان واحد مجمع مواهب، بل نثر الله المواهب على الخلق، وكل واحد أخذ موهبة ما.
لماذا؟ لأن الله قد أراد أن يتكامل العالم ولا يتكرر؛ فالتكامل يوحى بالاندماج فإذا كنت أنت تعرف شيئًا خاضعا لموهبتك، وأنا لا أعرفه فأنا مضطر أن ألتحم بك، وأنا أيضا قد أعرف شيئا وأنت لا تعرفه، لذلك تضطر أنت أن تلتحم بي.. وهذا اللون من الالتحام ليس التحاما تفضل، إنما هو التحام تعايش ضروري.
لكن لو أن كل واحد صار مجمع مواهب، لاستغنى عن غيره من البشر وأقام وحده بمفرده، وينتهى احتياجه للمجتمع الإنساني. فكأن الله حين وزع أسباب الفضل على الخلق يريد منهم أن يتكاملوا ويلتحم بعضهم ببعض لا التحام فضل، ولكن التحام تعايش ضروري؛ لأن واحدًا يريد ما ينتجه الآخر بموهبته، والآخر يريد من إنسان غيره ما هو موهوب فيه. ولذلك فالناس بخير ما تباينوا؛ لأن كلا منهم يحتاج إلى الآخر.
ولذلك لا نجد أى تقدم فى مجتمع إلا إذا كانت المواهب فى هذا المجتمع مختلفة ومتآزرة. أما حين يوجد قوم لهم مواهب متحدة فلابد أن يقاتل بعضهم بعضا لكن عندما يكون كل واحد فى حاجة لموهبة الآخر، فهم يتعايشون؛ لأن الحياة لا تسير إلا بالكل، ولذلك إذا استوت جماعة فى المواهب فلا بد أن يتفانوا لأنهم يتنافسون فيها ويريد كل واحد منهم أن يستأثر بها لنفسه، لكن لا أحد فى المواهب المتكاملة يقول: لماذا يكون فلان أفضل مني، لأنه يعرف أنه من الضرورى أن يوجد المهندس والطبيب والصانع، ولذلك تجد الوجود منظما بذاته التنظيم الطبيعى الذى يُوجد قاعدة ويُوجد قمة، فالقمة الصغيرة تحملها القاعدة الكبيرة. ولو عكست الهرم لصارت مشكلة؛ لأن الأمر فى هذه الحالة سَيَجِّدُ به جوانب كثيرة ليس لها أساس ولا ترتكز على شيء، ولذلك فمن الحكمة إذا رأيت فى المجتمع واحدًا قد ذهب إلى القمة فأعنه على أن يستمر متفوقا، ولا تصطرع معه فتسقطوا جميعا، فلابد من التفاضل كى ينشأ التكامل.
والحق سبحانه وتعالى يعرض لنا هذه القضية عرضا اجتماعيا وعرضا اقتصاديا؛ ليبين لنا أن أصل الوجود يجب أن ينشأ على أمر اجتماعى وأمر اقتصادي، لماذا؟ لأن الإنسان مشغول أولا باستبقاء حياته، ثم باستبقاء نوعه. واستبقاء حياة الإنسان بالقوت، واستبقاء نوعه بالزواج. واستبقاء الحياة بالقوت يحتاج إلى حركة فى الحياة، والحق يحترم ثمرتها، وعندما يريد الحق أن يرقق قلب المتحرك على أخيه العاجز فهو يقول: ﴿مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا﴾ «البقرة: ٢٤٥».
كما ضربنا المثل من قبل ولله المثل الأعلى وقلنا: إن الإنسان يعطى أولاده مصروفا، وكل واحد منهم يضعه فى حصالته، فهب أن واحدًا من الأولاد اضطر إلى شيء عاجل كإجراء جراحة، هنا يذهب الرجل إلى أولاده ويقول لهم: أقرضونى ما فى حصالاتكم لأن أخاكم يحتاج إلى عملية، وسأرده لكم بعد ذلك مضاعفا. إن الأب لم يرجع فى هبته ليقول إن ما فى الحصالات هو مالى وسآخذه. لا، هو مالكم، لكنه سيكون دينا عندي.
الأزهر نموذج للحوار والتعايش ودوره اليوم أهم من أى وقت مضى
الزواج ميثاق غليظ| العنف الأسرى خطر يهدد استقرار الأسرة والمجتمع
لماذا أعاد المنشاوى تسجيل ختمته المرتلة؟







