محمد مندور يكتب: منابر للتنوير.. لا التغييب!

محمد مندور
محمد مندور


لم تعد المساجد في التجربة المصرية المعاصرة مجرد أماكن لأداء الشعائر الدينية فحسب بل استعادت خلال السنوات الأخيرة دورها التنويري والاجتماعي بفضل رؤية متكاملة تبنتها وزارة الأوقاف وبرامج نوعية أعادت للمسجد مكانته كمنارة وعي وبناء إنسان. 


هذه النقلة لم تكن وليدة صدفة بل جاءت نتيجة تخطيط وفهم عميق لطبيعة المرحلة وإدراك ذكي للتحديات الفكرية والدينية التي تواجه المجتمع المصري .


أعجبني التنوع في مشروعات وزارة الأوقاف التي تخاطب العقل قبل العاطفة.. وتبني الفهم الصحيح للدين بعيدا عن الغلو أو التفريط. فدور الوزارة لم يقف عند المساجد بل تعداه إلى الشارع، وكان من أبرز هذه الجهود حملات "صحح مفاهيمك" التي جاءت بمثابة مواجهة فكرية هادئة وعميقة للأفكار والسلوكيات المغلوطة التي تسللت إلى وعي كثير من أفراد المجتمع عبر خطاب متشدد تارة أو جهل بالأحكام وصحيح الأخلاق أو معلومات منقوصة في فهم الدين والحياة وحقوق الآخرين. 


هذه الحملات التي تبنتها مشروعات الأوقاف لم تعتمد على الوعظ التقليدي بل قدمت خطابا عقلانيا مبسطا ممزوجا بحالة إنسانية.. خطاب يستند إلى صحيح الدين ومقاصده.. خطاب يعيد الاعتبار للقيم الإنسانسية وحسب ..قيم الرحمة والتسامح والانتماء الوطني والاجتهاد في العمل.


الحقيقة أن مشروعات الوزارة في فترة قصيرة تكللت مؤخرا بلون ديني وفني يبحر في عمق حب المصريين لفن التلاوة من خلال برنامج "دولة التلاوة" ، الذي جاء ليؤكد أن الاهتمام بالقرآن الكريم لا يقتصر على حفظه وتجويده بل يتجاوز ذلك إلى صناعة قارئ يدرك رسالة ما يتلوه، ويجسد جماليات الأداء وروح المعنى وفنون موسيقى التلاوة. هذا البرنامج أعاد الاعتبار للمدرسة المصرية في التلاوة، وربط بين الأصالة والتحديث، وبين الصوت الجميل والعقل المستنير، ليكون القارئ سفيرا لقيم الوسطية والاعتدال ونموذجا صوتيا وفنيا ممتعا.


ما تقوم به وزارة الأوقاف مؤخرا ساهم بشكل كبير في تكوين حالة رضا عام من المواطنين على دورها عقب فترة ركود كانت عليها قبل سنوات .. كما أسهمت مرة أخرى في إعادة ربط المسجد بالمجتمع من خلال البرامج التوعوية والأنشطة التي تخاطب الأسرة والشباب والأطفال في إطار رؤية شاملة تجعل المسجد مركز تواصل أخلاقي لا فضاء منغلقا أو معزولا عن قضايا الناس وهمومهم.
لا يمكن لي أو غيري قراءة هذا المشهد دون التوقف أمام شخصية وزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهري الذي لولا وجوده على رأس هذه الوزارة ما كان لها أن تقوم بهذا الدور. هذا الرجل الخلوق الذي جمع بين العلم الشرعي الرصين والذكاء الإداري والقدرة على قراءة الواقع.. مع توليه الوزارة  أصبحت إدارة الملف الديني تسير برؤية استباقية وليست رؤية رد الفعل .. رؤية تراهن على بناء الإنسان وتدرك أن معركة الوعي لا تقل خطورة عن أي معركة أخرى.. رؤية تمثل نموذجا في إحياء دور المساجد وكيفية توظيف الدين في البناء لا الهدم.. وفي التنوير لا التغييب.