تحويلات سرية.. كيف استغلت الجماعة الإرهابية مأساة غزة لنهب أموال التبرعات؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


مع مطلع عام 2025، عاد واحد من أخطر ملفات جماعة الإخوان الإرهابية، إلى واجهة الجدل الإعلامي والسياسي "ملف المال والاستغلال" لكن العودة هذه المرة لم تكن عبر اتهامات تقليدية أو بيانات رسمية بل عبر ما عرف إعلاميًا بـ "تسريبات الصندوق الأسود وهو عبارة عن تسجيلات صوتية ومرئية منسوبة إلى قيادات تنظيمية داخل الجماعة كشفت عن نقاشات داخلية حول إدارة الأموال ومسارات التحويل وطرق تفادي الرقابة.

وكشفت نقاشات داخلية صادمة حول إدارة التبرعات، وطرق التحويل، وأساليب تفادي الرقابة، التسريبات أعادت طرح السؤال الأخطر: هل كان العمل الخيري واجهة لتمويل مشروع تنظيمي سري؟ ومن يدفع ثمن هذا الغموض؟ بين صدمة المتبرعين، وتآكل الثقة الإنسانية، وامتداد التحقيقات عبر الحدود، يفتح هذا التقرير أخطر صفحات المال داخل جماعة اعتادت العمل في الظل، ويضعها أمام أسئلة لم يعد الهروب منها ممكنًا.  

اللافت في التسجيلات المتداولة ليس فقط مضمونها بل اللغة المستخدمة داخلها، مصطلحات مثل: «تأمين التحويلات» و«تجزئة المسارات المالية»، و «تفادي التتبع» لم ترد كتعابير عابرة بل في سياق نقاشات تنظيمية منظمة ومرتبة ما أوحى وفق مراقبين بوجود تفكير منهجي في إدارة أموال خارج القنوات المعلنة وبعيدًا عن المعايير المعروفة للعمل الخيري والإنساني. حتى مع غياب حكم قضائي نهائي بشأن هذه التسجيلات فإن مجرد تداولها بهذه الصيغة يعكس ثقافة تنظيمية مألوفة داخل الجماعة السرية أولًا والمساءلة مؤجلة دائمًا.

- تبرعات خرجت عن مسارها

وفق تقارير وتحقيقات صحفية متداولة فإن جزءًا من التبرعات التي جمعت باسم الإغاثة الإنسانية لم توثق وصولها إلى مستحقيها والقضية الأبرز تعلقت بتبرعات أطلقت لدعم متضرري الحروب والأزمات حيث طرحت تساؤلات حول حجم الأموال التي جمعت مقابل غياب بيانات شفافة تشرح أوجه الصرف.

هذا الغموض لم يكن تفصيلًا إداريًا بل جوهر الأزمة إذ كشف مرة أخرى هشاشة الفصل بين العمل الإنساني والنشاط التنظيمي داخل الجماعة وبعيدًا عن تسجيلات 2025 فإن ملف أموال الإخوان ليس جديدًا ولا طارئًا.

خلال السنوات الماضية صدرت أحكام قضائية وقرارات رسمية في عدة دول تضمنت:

- حل جمعيات خيرية وتجميد أصولها بعد ثبوت مخالفات مالية وتوجيه اتهامات بغسل الأموال أو التمويل غير المشروع عبر كيانات واجهة.

- فتح تحقيقات في شبكات تحويل أموال عابرة للحدود هذه الوقائع موثقة بوثائق رسمية وأحكام قضائية وتشكل خلفية صلبة لفهم خطورة ما تطرحه تسريبات 2025 .

- أزمة ثقة

في عام 2025، تصدرت تقارير تتحدث عن جمع تبرعات ضخمة باسم دعم غزة عبر مؤسسات قيل إنها قريبة من شبكات إخوانية في أكثر من دولة، ورغم الإعلان عن أرقام كبيرة لم تصدر تقارير مالية تفصيلية توضح مسار هذه الأموال بشكل قاطع ما دفع سياسيين ونشطاء للمطالبة بالمحاسبة والشفافية في حين نفت أطراف أخرى صلتها بهذه الجهات والنتيجة لم تكن فقط أزمة سياسية بل "أزمة ثقة" إنسانية ضربت فكرة التبرع نفسها وأضرت بالقضية التي رفعت شعاراتها لجمع الأموال.

- أوروبا تدخل المشهد وتحقيقات تتجاوز الحدود

الجدل لم يقتصر على المنطقة العربية فقط بل رأينا تحقيقات صحفية أوروبية خاصة في السويد كشفت عن شبهات اختلاسات وإدارة مالية غير شفافة داخل مؤسسات تعليمية وخيرية مرتبطة فكريًا بالتنظيم الإرهابي مع تحويل أموال عامة وتبرعات إلى حسابات خاصة وفرار بعض المتورطين قبل اكتمال التحقيقات.

وهو ما أكد أن شبكات المال الإخوانية ليست محلية بل عابرة للحدود تستغل القوانين المرنة وتتحرك في المساحات الرمادية بين العمل الأهلي والسياسي. لكن الحقيقة الأهم أن هذه التسجيلات لم تخلق الأزمة بل سلطت الضوء على ملف قائم بالفعل سبق أن قال فيه القضاء كلمته مرارًا في وقائع أخرى.

صدمة المتبرعين .. ومن يدفع الثمن؟

الضحية الأكبر في هذه القضايا ليست التنظيمات بل المتبرعين الذين ظنوا أن أموالهم تصل إلى مستحقيها. المحتاجون الذين حرموا من دعم نزيه بسبب التسييس و العمل الإنساني نفسه الذي تراجع رصيده الأخلاقي بسبب الاستغلال ولهذا تصاعدت الدعوات إلى تشديد الرقابة وفرض شفافية كاملة والفصل الصارم بين النشاط السياسي والعمل الإغاثي.

اقرأ ايضاً :غزة .. التحديات والتعافي من صدمة ما بعد الحرب

- استثمار في الألم الإنساني


كشفت تسريبات "الصندوق الأسود" ما هو أعمق من تسجيلات مسربة كشفت أزمة ثقة مزمنة وسجلًا طويلًا من الشبهات والمخالفات وتنظيمًا اعتاد إدارة المال بعقلية السرية لا الشفافية.

جماعة خلطت بين الإغاثة والسياسة واستثمرت في الألم الإنساني تجد نفسها اليوم محاصرة بأسئلة لا يمكن الهروب منها فالعمل الخيري لا يدار في الظل ولا يحاسب بالشعارات ولا يبرر بالغموض.

والدرس الأوضح أن الشفافية لم تعد خيارًا بل ضرورة وأن حماية أموال التبرعات مسؤولية أخلاقية وقانونية لا تقبل التأجيل ولا المراوغة. أما «الصندوق الأسود» فقد فُتح وما بداخله يشرح كثيرًا لماذا سقطت الثقة ولماذا لم تعد الجماعة قادرة على إقناع أحد بأنها تعمل من أجل الإنسان لا من أجل التنظيم.