يحدث فى مصر الآن

آلام جحا وأحزانه

يوسف القعيد
يوسف القعيد


لم تفارقنى وساوسى منذ ليالٍ، وكنت أحس كأننى أضطرب فى بحرٍ موجه يعلو حتى يصل إلى السحاب

أهدانى الصديق محمد عبد الحافظ ناصف المسئول عن النشر فى هيئة قصور الثقافة كتابًا جديدًا من كتبها هو: آلام جحا. من تأليف محمد فريد أبو حديد. ومن قبل تعودنا أن تكون قصص جحا لطيفة لا تخلو أحداثها من بعض المفارقات الطريفة التى تظهر ذكاء جحا مرة وحماقته مرة أخرى. لتظل هذه الشخصية التراثية غامضة عسيرة على الفهم. لدرجة أننا نسأل أنفسنا ونحن نقرأ هذا الكتاب هل جحا شخصية حقيقية؟ أم أنه نتاج خيال المؤلفين والروائيين والقصاصين؟


بل إن الكتاب يسأل: هل كان جحا فارسيًا أم عربيًا؟ مع أن كتابنا تدور أحداثه عندما بلغ جحا الأربعين من عمره وأنجب طفلين من زوجته الفظة الكريهة التى تجلده بلسانها. ويبدو أن تتابع المشاكل عليه جعله يمر بشيء يشبه أزمة منتصف العمر بلغة زماننا. فلا يبقى أمامه سوى أن يجتر آلام الإحباطات ويُعانى الحب المستحيل. الأمر الذى جعله يتخلى عن روحه الفكهة ومقالبه الذكية ويحكى لنا فى هذه الفصول بعض آلامه.

وجحا شخصية شعبية يعرفها الجميع. ويتوقف أمام حكاياتها الكل. ولهذا فإن صاحب هذا الكتاب محمد فريد أبو حديد وهو من كُتَّاب الجيل الأول فى مصر والوطن العربى يكتب كتابه هذا على لسان جحا. وكأن جحا هو الذى يحكيه. ويبدأ هكذا:

مضى عليَّ أربعون عامًا وأنا على هذه الأرض. وها آنذا الآن أنظر ورائى إلى هذه السنوات الطويلة، فأرى أقصاها كأنها الأمس القريب، لم تمضِ عليه إلا ليلة واحدة، فما معنى الزمان؟ وما معنى السنوات التى نعدها؟ ما زلت أنا جحا الذى عرفته فى سن العشرين وربما فى سن العشر سنوات، لم يتغير منى شيء سوى أن صَلُبَ عودى وكمدت مفاصلى وزدت فى الطول والعرض شيئًا. وما زلت أغضب وأرضى وأحب وأكره، وأندفع مع حماقاتى البشرية كما كنت أفعل صغيرًا. وهذا يؤكد أن الحكمة لم تُهب للبشر وإن كانوا يدعون غير ذلك.

ويصارحنا جحا فى لحظة نادرة بالنسبة له يقول:

لقد كنت أحسبُ أن الأربعين إذ بلغتها توفى بى على سن الكمال. فهى السن التى كان يصل فيها الإنسان إلى ذروة كماله. ولكنى لم أجد فى نفسى تبدلًا وقد بلغتها. فما زلت كما كنت حائرًا خائبًا أهيم فى خيالى ولا أعرف من أمور الدنيا أمرًا.

ويحكى لنا:

لقد تعودت أن أصارح نفسى ولا أخادعها، وأنظر إلى عيوبى فلا أسترها، ولست أدرى كلما تأملت أحوالى أأبكي، أم أضحك منها؟ لست أُحسِنُ فى الحياة إلا أن أهيم فيها على وجهى قانعًا بما تقع عليه عيناى من هذا الكون العجيب الذى يهزنى بجماله. فإذا غامرتنى الهزة أنطقتنى قائلًا: سبحان ربي. وأبعد فى التأمل حتى أغيب عن وعيي. والناس ينظرون إليَّ وهم يسعون ويكدون ويتزاحمون على ما أسميه حطام الدنيا. فأراهم يمضون عنى ويبتسمون سُخرًا فأوشك أن أسخر منها وأضحك من جهالتهم، ولكنى أعود سريعًا إلى نفسى فأردها عن السخرية، فإنى لا أدرى هل أنا خيرٌ منهم أم هم خيرٌ مني؟

ولست أملك من دنياى إلا هذه الدار التى خلَّفها لى أبى من تراث أجدادي. وقد كانت بها حديقة أدركت قدرتها فى صباي، ولكنها اليوم صحراء جرداء، فليس بها من آثار الخُضرة إلا جذوع كالحة ونخلتان شعثاوان. وقد تهدمت ساقيتها وكُسِرت قواديسها وانقطعت ثمارها.

ومع هذا فإننى أحبها ولا أرضى أن أبيع منها قيراطًا. وحسبى من الحديقة سعتها، بل إننى لست أرضى أن ينقطع دوران الساقية فلا يزال الثور يدور بها ويُعجبنى أن أسمع نعيره إذا صفا الليل وهدأ الكون وسطع البدر.

وفى الفصل الأخير من هذه اليوميات يكتب جحا:

لم تفارقنى وساوسى منذ ليالٍ، وكنت أحس كأننى أضطرب فى بحرٍ موجه يعلو حتى يصل إلى السحاب. كنتُ سابحًا فى هذا الخِضم المائج عندما طرق بابى رسول السلطان ودعانى إلى حضرة مولاه. ولم أكن أملك سوى أن أذهب معه، ثم ذهبت وجرى ما جرى وكان ما كان.

إنه جحا يحكى لنا آلامه وآماله بطريقة جميلة نحبها ونستزيد قراءتها أكثر من مرة. كما فعلت أنا مع ذكريات جحا المنشورة باسم آلام جحا.