كنوز| حكاية «أنتونى كوين» العرب مع جرجس أفندى

محمود المليجى
محمود المليجى


لن أنسى ما حييت جرجس أفندى الذى كان يبكى إذا رأی بین تلاميذه من يعانى فقراً أو مرضاً أو أزمة نفسية، كنا نعتبره أبانا كلنا،  وكان يعتبر نفسه أنجب مائة ابن  يدرس لهم اللغة الإنجليزية، وحدث لى مع جرجس أفندى حادث طريف، فقد كنت عضواً فى فريق التمثيل بالمدرسة، ومضت أكثر أشهر العام وبدأنا نستعد لحفلة المدرسة، ومن مزايا الانضمام لفرقة التمثيل التى تتيح الهروب من الحصص والواجبات، ولهذا تغيبت عن الفصل أياماً كثيرة،  وفى اليوم الذى تحدد لتقديم الحفلة ارتديت ملابس الدور الذى سأمثله، قفطانا أبيض عليه شريط أحمر، ولبست طربوشاً، وخرجت لأراجع دورى فى فناء المدرسة، وفجأة وجدت نفسى وجهاً لوجه مع جرجس أفندی، وقف أمامی بكرشه وقد سد علىّ الطريق، وكان على وجهه تعبير صارخ بالألم، وقبل أن أفتح فمى بكلمة ابتدرنى قائلاً وهو يربت على ظهرى «خير ان شالله.. لابس كده ليه ؟»، كنت أفكر فى استغلال قلبه الطيب، وقد نكست رأسى على صدری متظاهراً بالحزن الشديد، واستطعت أن أجمع أطياف الدموع فى عينى فسألنى «ايه اللى حصل يا محمود لازم تقول»، فقلت «والدى يا افندى الله يرحمه» !

شهق الرجل شهقة هائلة وكأنما سمع موت شقيقه، وقال لى: «والدك ترك رجلاً يا محمود، تقدر تتعلم وتعيش من عرق جبينك»، وكنت ما زلت منكس الرأس فلمحته يجفف دمعة سالت على خده وقال بحنان «محمود انا عاوزك تجيب لى واحد قهوة مضبوط»، وشعرت أنه ينتهز الفرصة ليعطينى ما يريد دون أن يجرح كرامتی، فهرولت إلى البوفيه وأحضرت له القهوة، فأخذ يرتشف منها، وعندما أنتهى وضع يده فى جيبه وأخرج ورقة مطوية دسها فى يدى وهو يقول: «خد يا محمود وشد حيلك يا ابنى»، أخذت ورقته المطوية، وأعدت فنجان القهوة إلى البوفيه ونظرت فى الورقة فوجدتها من فئة الخمسين قرشاً، ثروة هائلة فى ذلك الوقت، ثروة ضخمة بالنسبة لتلميذ مصروفه قرش كل صباح؟

هنيت النفس بمشاهدة مسرحيات الريحانى وفاطمة رشدى ويوسف وهبى، ومنيت النفس بمشاهدة عدد من أفلام السينما، ورحت أتصور كيف يُتاح لى أن آخذ بنت الجيران فى نزهة نيلية واشترى لها السميط، خواطر لذيدة طرقت رأسى وأنا فى طريقى إلى المسرح لكى أؤدى دوری، وكنت أختلس النظر للجمهور فشاهدت جرجس أفندى يحملق فى وجهى، ولا يكاد يصدق ما یرى، وأسدل الستار على الفصل الأول، فنظرت من خلفها وسمعت من يسأل مخرج الرواية بعض أسئلة أيقنت أنها تتعلق بى، وتتابعت فصول المسرحية، ومع مضى الوقت كنت أغذى خيالى بمشروعات الخمسين قرشاً، حتى انتهت الحفلة تماماً وأنا مستعد للانطلاق بالثروة، لكنى تسمرت فى مكانى عندما رأيت جرجس أفندى واقفاً وعلى وجهه غيظ وغضب شديد وهو يمسك بى من كتفى كما تمسك القطة بفأر مذعور وفين يوجعك يا محمود ! ومد جرجس أفندى يده فى جيبى وأخرج الخمسين قرشاً ووضعها فى جيبه وطارت أحلامى مع ورقة جرجس أفندى !!
محمود المليجى «الكواكب» - 4 سبتمبر 1956