نقطة نظام

فى جرائم العنف.. فتّش عن المرأة أولًا

مديحة عزب
مديحة عزب


علينا الاعتراف بكل شجاعة أن ثقافتنا الموروثة تحط من قدر المرأة وتقلل من شأنها

تحت مسميات الشرف والستر والطاعة يرقد خلل عميق فى المنظومة الاجتماعية والثقافية للمجتمع المصرى مازالت تبرر العنف ضد المرأة.. هذه القضية التى أثيرت مجددًا فى تحقيق صحفى ممتاز قامت به الزميلة إيثار حمدى ونشرته «الأخبار» منذ أيام جاء فيه أنه وفقًا لآخر مسح قام به الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء فقد ثبت أن نسبة كبيرة من السيدات ما بين عمر خمسة عشر عامًا إلى تسعة وأربعين عامًا قد تعرضن إلى صور مختلفة من العنف، تبلغ قمتها فى القتل أحيانًا وفى أحيان أخرى يكون إما جسديًا أو نفسيًا أو جنسيًا، وأن معظم الزوجات اللاتى تعرضن للعنف قد أصبن بالأذى أو بالجروح أو بالإصابات الخطيرة وخاصة إذا تزامن العنف مع فترات حملهن..

وقد لفت نظرى أن الخبراء الأجلاء الذين تحدثوا فى التحقيق الصحفى قد حصروا أسباب العنف ضد المرأة إلى استعجال الأهالى بالذات الذين ينتمون للطبقة الاجتماعية الفقيرة فى تزويج بناتهن بدواعى السترة وأن «البنت مالهاش إلا الجواز»، وبالتالى لا يدققون كثيرًا فى العريس المتقدم بهدف سرعة إتمام الزيجة من أجل التخلص من العبء المادى للفتاة..

تحدث الخبراء أيضًا عن الإطار الفكرى الذى يعيش فيه الزوج العنيف ويبرر له أفعاله ويمنحه الشرعية الزائفة والثقافة التى تربط الرجولة بالسيطرة وفقًا لقاعدة «لو ما ضربتش مراتك ماتبقاش راجل».. وعند هذه العبارة تحديدًا أتوقف عزيزى القارئ وأضيف للتحقيق الصحفى ما أعتقد أنه غاب عنه.. وهو أن المرأة هى الممارس الأول للعنف ضد المرأة.. نعم.. فكم من حماة كانت هى المحرضة الأولى لابنها ضد زوجته، «اضربها على كيفك واكسر لها ضلع يطلع لها أربعة وعشرين، ادبح لها القطة فى يوم دخلتها»، وإذا فتحت الزوجة فمها بالشكوى لا تسمع إلا «وماله ما كلنا انضربنا ولسه بننضرب، هو انتى يعنى بنت مين عشان ماتنضربيش»..

مما يخلق ضغطًا نفسيًا كبيرًا على الزوج فيدفعه إلى ممارسة المزيد من العنف ضد زوجته، «هو انتى يعنى أحسن من أمى اللى لسه بتنضرب»..

أما إذا نظرنا إلى أم الزوجة فماذا تفعل عندما تذهب إليها ابنتها مضروبة؟.. سرعان ما تقول لها «معلش يمكن كان متضايق وعموما كلنا انضربنا»، وكأن هذه الأم تكمل دور الحماة فى إتمام منظومة العنف ضد المرأة.. وهكذا عزيزى القارئ فى جرائم العنف ضد المرأة فتش أولًا عن المرأة.. فالفقر والمستوى الاجتماعى المتدنى كلما نزلت فيه طبقة وجدت النساء هن من يدفعن الثمن من إنسانيتهن وكرامتهن ويجبرن على المزيد من التنازلات والخضوع بدعوى إنها إن لم تتنازل وتخضع فهى ناشز والناشز ملعونة دنيا وآخرة..

لقد نسى هؤلاء أن النشوز ـ وإن كانت بعض النساء قد وصمن به ـ إلا أنه صار فى الفترة الأخيرة أيضًا من أهم عيوب الرجل، أيًا كانت طبقته الاجتماعية فقيرًا أو غير فقير، فمن نشوز الزوج إغضاب زوجته لأتفه الأسباب والتحامل عليها والتعدى عليها بلعنها ولعن أهلها وترك المنزل طوال اليوم والعودة للمبيت فقط وتهديدها بالطلاق أو بالتزوج بأخرى والسخرية منها ومن زينتها ومظهرها وطعامها ومستواها الاجتماعى والثقافى وغير ذلك مما تعج به البيوت من هذه المكروهات شرعًا وعرفًا وإنسانية.. ولو اشتكت الزوجة فالرد جاهز..

«أكيد انتى اللى نرفزتيه وخرجتيه عن شعوره»، ولو طلقها يبقى أكيد عشرتها لا تطاق، ولو خانها يبقى أكيد هى مش مكفياه ومش مالية عينه، لكنه فى نظر أمه وأم الزوجة بريء تمامًا فى كل الأحوال..

علينا الاعتراف بكل شجاعة أن ثقافتنا الموروثة تحط من قدر المرأة وتقلل من شأنها وتستغل أى مناسبة للتحقير والتقليل منها والاستخفاف بها وقد ترسخ هذا الأمر فى الوجدان العام ولم يسلم منه حتى عالم أو شيخ إلا من رحم الله.. 

ما قل ودل:

خليك طبيعى وتلقائى ومنطقى وصريح مع الناس وصدقنى حتخسرهم كلهم.