حكاية أثر| وجه من الفيوم.. حكاية صبي خلّدته الألوان

 بورتريه فريد لصبي
بورتريه فريد لصبي


من بين كنوز الفيوم التي لا تزال تنبض بالحياة داخل أروقة المتحف المصري بالقاهرة، يطل علينا بورتريه فريد لصبي صغير، لا يتحدث بالكلمات، بل بالعينين واللون والتفاصيل، لوحة جنائزية بسيطة في حجمها، عميقة في دلالاتها، تختصر تلاقي الحضارات وتكشف كيف تحولت ملامح البشر العاديين إلى أيقونات خالدة عبر الفن.

يعرض المتحف المصري بالقاهرة، ضمن مقتنياته المميزة من آثار الفيوم، بورتريهًا جنائزيًا لصبي يعود إلى الفترة الرومانية، وهو أحد نماذج بورتريهات الفيوم الشهيرة التي تمثل مزيجًا فريدًا من الفن المصري القديم والتقاليد اليونانية والرومانية، وقد عُثر على هذا البورتريه في إقليم الفيوم، ويُعرض حاليًا في قاعة (14) بالدور العلوي، بأبعاد تبلغ 38 × 21 سم.

رُسم البورتريه على لوح من خشب الأرز، وهو اختيار لم يكن عشوائيًا، إذ عُرف هذا النوع من الخشب بمتانته وجودته العالية، ما ساعد على بقاء اللوحة بحالة جيدة نسبيًا رغم مرور قرون طويلة، ويُظهر العمل الصبي بملامح هادئة ونظرة مباشرة، تكاد تخترق الزمن، لتمنح المشاهد إحساسًا قويًا بالحضور الإنساني، وهو أحد أهم سمات بورتريهات الفيوم.

يرتدي الصبي خيتونًا أرجوانيًا، وهو ثوب كان من الملابس الأساسية في اليونان القديمة، ثم انتقل استخدامه إلى مصر خلال العصرين الهلنستي والروماني، وقد كان الخيتون يُصنع عادة من قطعة قماش واحدة تُلف حول الجسد، ويتميز بالبساطة والأناقة في آنٍ واحد. أما اللون الأرجواني، فكان ذا دلالة خاصة، إذ ارتبط بالثراء والمكانة الاجتماعية الرفيعة، نظرًا لندرته وارتفاع تكلفة صبغ الأقمشة به في العصور القديمة.

كما يظهر الصبي وهو يرتدي عقدًا حول عنقه، في إشارة أخرى إلى وضعه الاجتماعي، وربما إلى حرص أسرته على إظهاره في صورة تليق بمكانتهم حتى بعد الموت، فهذه البورتريهات لم تكن مجرد أعمال فنية للزينة، بل كانت تُثبت على المومياوات كجزء من الطقوس الجنائزية، لتكون صورة أبدية للمتوفى في العالم الآخر.

 

اقرأ ايضا| أيقونة الخلود الملكي| «تمثال خوفو» بين الاكتشاف والتاريخ

 

ويُعد هذا النوع من البورتريهات شاهدًا مهمًا على التحول في الفكر الجنائزي بمصر خلال الفترة الرومانية، حيث اجتمعت العقيدة المصرية القديمة بفكرة الخلود مع الأسلوب الواقعي في التصوير القادم من العالم اليوناني الروماني، فلم يعد التركيز على الرمزية فقط، بل أصبح الوجه الإنساني وتفاصيله الدقيقة هو محور العمل الفني.

إن بورتريه صبي الفيوم لا يقدم لنا صورة لطفل من الماضي فحسب، بل يفتح نافذة على حياة مجتمع كامل، يعكس تداخُل الثقافات، وتطور الذوق الفني، وأهمية الفرد في تلك المرحلة التاريخية، وبينما يقف الزائر أمام هذه اللوحة، يشعر أن المسافة بين الحاضر والماضي قد تقلصت، وأن هذا الصبي، رغم رحيله منذ قرون، لا يزال حاضرًا بنظرته الصامتة، يحكي قصته دون أن ينطق بكلمة.