«نور الخلود».. مصباح توت عنخ آمون لا يبوح بسرّه إلا للضوء

مصباح توت عنخ آمون
مصباح توت عنخ آمون


بين كنوز مقبرة توت عنخ آمون، حيث تمتزج الحِرفة بالعقيدة، تبرز تحفة استثنائية لا تكتمل رؤيتها إلا حين تُضاء، ليس مجرد مصباح، بل قصيدة من حجر شفّاف، صاغها المصري القديم ليحوّل النور إلى رسالة خلود، والظلال إلى حكاية حب وأبدية لا تنطفئ.

يُعد هذا المصباح المصنوع من الألباستر الشفّاف واحدًا من أروع القطع الفنية التي عُثر عليها ضمن كنوز مقبرة الملك توت عنخ آمون، لما يجمعه من دقة في الصنع، وعمق رمزي، وجمال بصري يتجاوز حدود الزخرفة التقليدية، وقد صُمم المصباح على هيئة زهرة لوتس متفتحة، وهي من أكثر الرموز قدسية في مصر القديمة، إذ ارتبطت بفكرة الخلق والتجدد وبزوغ الشمس من مياه الأزل.

ويحيط بالمصباح من الجانبين زخارف مُفَرَّغة تمثل المعبود «حِحّ»، رمز الأبدية واللانهاية، في إشارة واضحة إلى البُعد الزمني الذي يتجاوز الحياة الدنيا، ويؤكد رغبة الملك في الخلود الأبدي. وقد نُفذت هذه الزخارف بتقنية متقنة تسمح بمرور الضوء، ما يخلق تفاعلًا بصريًا فريدًا بين المادة والنور.

وتبلغ روعة هذه التحفة ذروتها عند إضاءتها، إذ يكشف الألباستر الشفاف عن مشهد داخلي بالغ الرقة والدفء، يصوّر الملك الشاب توت عنخ آمون برفقة زوجته عنخ إس إن آمون، في لحظة إنسانية حميمية نادرة، لا يظهر هذا المشهد إلا عندما يلامس الضوء الحجر، وكأن الفنان قصد أن تبقى هذه اللحظة مخفية، لا يراها إلا من يفهم قيمة النور بوصفه رمزًا للحياة.

 

اقرأ ايضا| قبل وصول «كارتر» بقرون.. ماذا فعلت «لعنة الفراعنة» في مقبرة توت عنخ آمون؟

 

ويعكس هذا المصباح رؤية المصري القديم للضوء، ليس كعنصر وظيفي فقط، بل كقوة كونية مرتبطة بالبعث والاستمرارية، فالضوء هنا يُعيد إحياء الصورة، تمامًا كما كان يُعتقد أنه يُعيد إحياء الروح في العالم الآخر. وهكذا تتحول القطعة إلى تجربة حسية وروحية، تتغير ملامحها بتغير الإضاءة.

كما تكشف هذه التحفة عن مستوى عالٍ من الإبداع الفني في عصر الأسرة الثامنة عشرة، حيث تضافرت الرمزية الدينية مع المهارة التقنية، لتنتج قطعة تجمع بين الجمال، والعقيدة، والعاطفة الإنسانية، فهي لا تخلّد الملك وحده، بل تخلّد علاقته، وحلمه بالأبدية، ورغبته في أن يبقى الحب مضيئًا حتى بعد الموت.

وفي قاعات عرض توت عنخ آمون، يظل هذا المصباح شاهدًا صامتًا على عبقرية الفنان المصري القديم، يدعو الزائر إلى التأمل في بريقه الهادئ، وإلى إدراك أن بعض الكنوز لا تكشف أسرارها كاملة، إلا لمن يمنحها لحظة من الضوء.