بالصور| مبادرة تطوعية تعيد الحياة لقاعات المتحف المصري

مبادرة تطوعية تعيد الحياة لقاعات المتحف المصري
مبادرة تطوعية تعيد الحياة لقاعات المتحف المصري


وسط صخب القاهرة الحديثة، يقف المتحف المصري بالتحرير شاهدًا على حضارة لا تزال تنبض بالحياة، لكن ما يميز التجربة داخله ليس فقط روعة القطع الأثرية، بل الأصوات الشابة التي تحكي قصصها بشغف ومعرفة. 

من هنا، تبرز مبادرة «أصدقاء المتحف المصري» كنموذج فريد للعمل الثقافي التطوعي، حيث يتحول طلاب الآثار والتاريخ إلى سفراء للحضارة، يقدمون للمصريين جولات إرشادية مجانية تُقرب الماضي من الحاضر.

- نشأة المبادرة.. فكرة سبقت عصرها

انطلقت مبادرة «أصدقاء المتحف المصري» عام 1990، في وقت لم يكن مفهوم الإرشاد التطوعي واسع الانتشار. وجاءت الفكرة استجابة لحاجة حقيقية: إتاحة المعرفة الأثرية للمواطن المصري دون أعباء مادية، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن التراث حق أصيل لأبنائه قبل أي زائر آخر.

استهدفت المبادرة في بدايتها طلاب كليات الآثار والسياحة، ثم توسعت لاحقًا لتشمل طلاب أقسام التاريخ، بما يعكس تطورها وقدرتها على مواكبة متطلبات العمل المتحفي الحديث.

- تدريب علمي وتأهيل عملي

لا يقتصر الانضمام إلى «أصدقاء المتحف» على الرغبة وحدها، بل يمر الطلاب ببرنامج تدريبي متكامل تشرف عليه إدارة التدريب بالمتحف، وبمشاركة نخبة من أمناء الآثار والمرممين والمتخصصين.

يركز البرنامج على:

التعرف على أقسام المتحف وقاعات العرض المختلفة

- مبادئ تصنيف الآثار وتسلسلها التاريخي
- أساليب العرض المتحفي الحديثة
- طرق الحفظ والصيانة
- مهارات التواصل والتعامل مع الزائر

ويستهدف التدريب حاليًا طلاب الفرقة الرابعة، باعتبارهم الأقرب إلى سوق العمل، بما يضمن تحويل المعرفة الأكاديمية إلى خبرة ميدانية حقيقية.

- من قاعة المحاضرة إلى قاعة العرض

يبدأ التدريب الفعلي خلال إجازة منتصف العام الدراسي، ويستمر لعدة أشهر، ليُتوَّج خلال الإجازة الصيفية بخدمة إرشادية مجانية للجمهور، وخلال هذه الفترة، يتواجد أصدقاء المتحف يوميًا من الساعة التاسعة صباحًا حتى الثالثة عصرًا، ليقدموا جولات منظمة للزوار المصريين.

وتُقدم الجولات باللغة العربية فقط، في رسالة واضحة لتعزيز الوعي الأثري والانتماء الوطني، بعيدًا عن الطابع التجاري للإرشاد السياحي.

- جولات تغطي قلب الحضارة

تشمل الجولات الإرشادية مختلف قاعات المتحف، بدءًا من الدور الأرضي الذي يضم آثار عصور ما قبل التاريخ والدولة القديمة والوسطى والحديثة، وصولًا إلى الدور العلوي الذي يحتضن كنوز تانيس وبسوسنس، ومجموعة يويا وثويا، وغرفة مومياوات الحيوانات، إلى جانب مجموعات متحفية نادرة ومتنوعة.

بهذا التنوع، تتحول الزيارة إلى رحلة متكاملة عبر آلاف السنين، يقودها شباب يمتلكون المعرفة والحماس معًا.

- إشراف وتقييم مستمر

تحرص إدارة التدريب بالمتحف على المتابعة الدقيقة لأداء الطلاب المشاركين، من خلال التقييم المستمر، بما يضمن جودة الخدمة المقدمة للزائر، وتحقيق أقصى استفادة تعليمية للطالب.

ويظهر أثر هذا الإشراف في عدة مستويات:

- الطالب: يكتسب خبرة عملية، وثقة بالنفس، ومهارات تواصل فعالة
- الزائر: يحصل على تجربة معرفية مبسطة وموثوقة
- المتحف: يتحول إلى مساحة تعليمية تفاعلية لا تقتصر على العرض فقط

- دور ثقافي يتجاوز الجدران

تسهم مبادرة «أصدقاء المتحف المصري» في تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الحضارة المصرية، ونشر الوعي الأثري بأسلوب قريب من الجمهور. كما تعزز فكرة أن المتحف ليس مكانًا صامتًا، بل فضاء حيًا للحوار والمعرفة والتفاعل المجتمعي.

تمثل مبادرة «أصدقاء المتحف المصري» نموذجًا ملهمًا لكيفية إشراك الشباب في حماية التراث وإحيائه، ليس بالحفظ فقط، بل بسرد قصصه وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة. وبين قاعات المتحف العتيقة، يثبت هؤلاء الشباب أن التاريخ لا يُحفظ في vitrines زجاجية فحسب، بل يُنقل من قلب إلى قلب، ومن عقل إلى عقل، ليظل حيًا ومتجددًا عبر الزمن.