فتحت رئيسة الوزراء اليابانية المنتخبة حديثًا، ساناي تاكايتشي، ملفًا شديد التعقيد بإعلانها برنامج إنفاق ضخم يُقدَّر بنحو 21 تريليون ين (135 مليار دولار).
بينما وصفت هذه الخطوة سياسيًا بأنها جريئة، لكنها اقتصاديًا تضع اليابان ـــ صاحبة أعلى عبء ديون حكومي في العالم ـــ أمام اختبار بالغ الخطورة، وسط مخاوف متزايدة من اهتزاز سوق السندات، واستدعاء شبح أزمات مالية سابقة شهدتها دول كبرى، أبرزها بريطانيا في عهد ليز تروس.
وقوبل البرنامج، الذي تراه الحكومة الجديدة بوابة لإحياء اقتصاد يعاني من ركود مزمن منذ أكثر من ثلاثة عقود، بترحيب شعبي حذر، مقابل تشكك واسع من المستثمرين والمحللين، الذين يتساءلون «هل تنجح تاكايتشي حيث فشل من سبقها، أم تفتح الباب لأزمة ديون يصعب احتواؤها؟».
اقرأ أيضًا| تاكايشي تكتب صفحة جديدة في تاريخ اليابان.. أول امرأة تكسر احتكار الرجال للسلطة
برنامج إنفاق غير مسبوق وضغوط فورية على المالية العامة
رفع بنك اليابان أسعار الفائدة إلى مستويات لم يشهدها منذ ثلاثة عقود، وأشار إلى استعداده لمزيد من الزيادات، متخذاً بذلك خطوة تاريخية أخرى في إنهاء عقود من الدعم النقدي الضخم وتكاليف الاقتراض شبه المعدومة #العربية_Business pic.twitter.com/flcJ7QEgoP
— العربية Business (@AlArabiya_Bn) December 19, 2025
وفقًا لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، اقترحت ساناي تاكايتشي خطة تحفيز مالي واسعة النطاق بقيمة 21 تريليون ين، ما يزيد الأعباء على خزائن الدولة المثقلة أصلًا بديون تتجاوز 258% من الناتج المحلي الإجمالي.
وبحسب مراقبين، فإن الإعلان عن هذه الخطة أعاد إلى الأذهان سيناريو "صدمة السندات" التي ضربت المملكة المتحدة عام 2022، عندما فقدت الأسواق ثقتها في السياسة المالية للحكومة آنذاك.
بالنسبة للمستثمرين الدوليين، عززت الخطة حالة عدم اليقين تجاه مسار الاقتصاد الياباني، بينما تعاملت سوق السندات المحلية بحذر شديد مع الرسائل المتضاربة بين التوسع المالي والدعوات المتكررة إلى "الاستدامة".
وعود انتخابية وتحفيز عبر دعم المعيشة
#عاجل
— CNBC Arabia (@CNBCArabia) December 19, 2025
⭕️الأسهم اليابانية قفزت بدعم من قرار بنك اليابان المركزي رفع معدلات الفائدة في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع من الأسواق
🔸مؤشر نيكاي 225 ارتفع 1.5% ليتجاوز مستوى 49700 نقطة قبل أن يتراجع إلى مستويات 49567 نقطة
🔸مؤشر توبكس الأوسع نطاقًا صعد 1% إلى 3390 نقطة
🔸المكاسب… pic.twitter.com/PfL3X9GfTx
تسعى ساناي تاكايتشي، من خلال هذه الخطة، إلى تنفيذ وعودها الانتخابية بتبني سياسة مالية نشطة تهدف إلى إخراج اليابان من سباتها الاقتصادي الممتد منذ انفجار فقاعة الأصول في أوائل التسعينيات، ووفق استطلاعات الرأي، فإن الجزء الأكبر من الإنفاق سيُوجَّه إلى دعم الأسر المتضررة من ارتفاع الأسعار بدلًا من إجراءات مباشرة لكبح التضخم.
وتشمل الإجراءات المقترحة دعم فواتير الكهرباء والغاز، إلى جانب مساعدات نقدية للأسر التي لديها أطفال، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي من ارتفاع تكاليف المعيشة.
ورغم أن معدل التضخم في اليابان لا يزال منخفضًا مقارنة بالاقتصادات الكبرى، إذ يدور حول 3%، فإن تأثيره على المستهلك الياباني كان ملموسًا، خاصة مع الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء، فقد زادت أسعار المواد الغذائية بنسبة 6.4% في نوفمبر مقارنة بالعام السابق، فيما قفز سعر الأرز ـــ الغذاء الأساسي ـــ بنسبة 40.2%، ما وضع الحكومة تحت ضغط اجتماعي متزايد.
عودة الدولة إلى توجيه الاقتصاد
إلى جانب دعم الاستهلاك، تعتزم ساناي تاكايتشي توجيه استثمارات كبيرة نحو أشباه الموصلات وبناء السفن، في خطوة تعكس عودة واضحة لدور الدولة في توجيه الاقتصاد، على غرار ما شهدته اليابان خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين لعبت وزارة التجارة الدولية والصناعة دورًا محوريًا في تحقيق "المعجزة الاقتصادية" بعد الحرب.
ورغم التفاؤل الرسمي، يشير خبراء إلى أن التحفيز المالي المكثف ليس وصفة جديدة في اليابان، فقد شهدت البلاد محاولات متكررة منذ التسعينيات، خصوصًا عبر مشاريع بنية تحتية ضخمة، لكنها أسفرت عن نمو محدود، مقابل تضخم متواصل في الدين العام.
وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، ارتفع الدين الحكومي من 48% من الناتج المحلي في 1980 إلى ذروة تجاوزت 258% في 2020، وفق بيانات صندوق النقد الدولي، مقارنة بـ 125% فقط في الولايات المتحدة.
وأكدت ساناي تاكايتشي، أن إنفاقها الإضافي "لن يمثل مشكلة"، معتبرة أنه سيُنتج نموًا اقتصاديًا أعلى، وبالتالي زيادة الإيرادات الضريبية، وقالت عند إطلاق البرنامج في نوفمبر: "بينما نبني اقتصادًا قويًا ونرفع معدل النمو، سنخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي، ونضمن ثقة الأسواق".
لكن الأسواق لم تشاركها هذا التفاؤل، وسارع محللون إلى عقد مقارنات مع تجربة ليز تروس في بريطانيا، التي انتهت بانهيار ثقة المستثمرين وتدخل عاجل من بنك إنجلترا، ثم إقالة رئيسة الوزراء نفسها.
اقرأ أيضًا| توترات تاريخية.. لماذا يضغط ترامب على المكسيك لتلبية احتياجات تكساس المائية؟
لماذا لم تنهَر اليابان رغم ديونها؟
ورغم التحذيرات المتكررة، لم تشهد اليابان حتى الآن أزمة ديون حادة.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها أن الحكومة اليابانية تمتلك أصولًا ضخمة تقلّص صافي الدين إلى نحو 134% من الناتج المحلي، وهو مستوى أقرب لدول مثل إيطاليا والولايات المتحدة.
كما أن اليابان أكبر دولة دائنة في العالم منذ 37 عامًا، ونسبة الدين المملوك للأجانب لا تتجاوز 12%، مقارنة بـ 33% في الولايات المتحدة، ما يقلل خطر هروب رؤوس الأموال.
وتلعب طبيعة الرأسمالية اليابانية دورًا حاسمًا في استقرار السوق، فالشركات الكبرى تميل إلى التعاون مع الدولة، لا مواجهتها، وتستثمر فوائضها ـــ التي تضخمت بفعل ضعف الين ـــ في السندات الحكومية، ما يوفر مصدر تمويل مستقرًا للحكومة ويحدّ من احتمالات المضاربة.
بنك اليابان يدخل على الخط
من المتوقع أن يرفع بنك اليابان سعر الفائدة قصيرة الأجل إلى 0.75% خلال اجتماعه منتصف ديسمبر، في خطوة تهدف إلى دعم الين وكبح التضخم.
ورغم أن تاكايتشي كانت قد وصفت رفع الفائدة سابقًا بـ"الحماقة"، فإن تقارير إعلامية تشير إلى تغيّر موقفها تحت ضغط الواقع الاقتصادي.
ويرى اقتصاديون أن محاولة معالجة التضخم عبر زيادة الإنفاق قد تأتي بنتائج عكسية، وقال تاكاهيدي كيوتشي من معهد نومورا إن السياسة المالية العدوانية قد تُضعف الين وترفع الأسعار بدلًا من احتوائها.
ومع ذلك، قد لا يكون التضخم انتحارًا سياسيًا لتاكايتشي، إذ إن المدخرات الكبرى تتركز لدى جيل كبار السن، بينما يعاني الشباب من ركود الأجور منذ عقود، ما يجعلهم أقل تعاطفًا مع حماية ثروات الجيل الأكبر، وأكثر ميلًا لدعم الخطاب الشعبوي.
واليوم، تقف اليابان عند مفترق طرق حساس، إما أن ينجح رهان ساناي تاكايتشي على الإنفاق في تحريك اقتصادٍ راكد دون كسر ثقة الأسواق، أو أن تتحول المغامرة إلى عبء مالي جديد يختبر صبر المستثمرين للمرة الأولى منذ عقود، ليكون االسؤال المفتوح الآن «هل تملك طوكيو ترف المخاطرة مرة أخرى، أم أن قواعد اللعبة الاقتصادية بدأت تتغير؟».
اقرأ أيضًا| فيتنام تواجه صراع النفوذ الأمريكي الصيني بتحركات خارجية دقيقة.. فما القصة؟

الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران
أمير قطر وترامب يبحثان خفض التصعيد وأمن الملاحة في الشرق الأوسط







