جاء عمار على محمد إبراهيم على الشريعى إلى الدنيا فى ١٦ أبريل ١٩٤٨، ورحل عنها بعد مشاكل فى القلب فى 7 ديسمبر من عام 2012 عن عمر يناهز ٦٤ عاماً عاشها فى إبداع متواصل.. ومن حقه علينا أن نتذكره بالكلمة الطيبة التى يستحقها فى ذكرى رحيله الثالثة عشرة لأن رحيق إبداعاته ما زال يسكن فينا، وهو من الشخصيات التى لا تُنسى ويجبرك على محبته لمجرد أن تراه أو تستمع إليه فيسكن وجدانك بموسيقاه وألحانه وشخصيته المرحة المتحدية للإعاقة، وهو من الشخصيات المُتفق عليها.
كتب القدر على عمار الشريعى ابن البيوتات العريقة أن يفقد نعمة البصر، لكنه لم يستسلم لليأس أو الإحباط، لم يلعن القدر أو يسخط عليه، تحدى كل الصعوبات والعقبات ليثبت للجميع منذ طفولته أنه غير معاقٍ، وسيقهر الظلام مثلما قهره مثله الأعلى الدكتور طه حسين، فواجه الحياة بروح التحدى، وآمن بأن البصيرة أقوى من البصر، ومن يريد أن يكون له قيمة فلابد أن يعمل بالبصيرة ليعرف كل شيء وينجح فى كل شيء، فحرص على أن يكون ماهراً فى التكنولوجيا الحديثة، وأن يكون «غواص فى بحر النغم»، فأصبح سراجاً مضيئاً وسط العتمة، وقنديلاً مشعاً يعطى المستمع والمشاهد رقى التذوق الذى يسمو بالنفس، وكان من أعظم الحكائين والظرفاء وما أكثر طرائفه ونوادره وحكاياته الغريبة التى لا تسعها المساحة، وأجزم بأن عمار كان باستطاعته تلحين الأخبار المنشورة فى الجريدة، فهو دارس للقوالب وبحور الشعر العربى القديم والحديث ومتعمق فى علم العروض والأوزان الشعرية، يحفظ المواويل والأزجال والموشحات والأمثال وأهازيج أفراح الريف والحضر، وعديد النسوة فى المآتم بكلماتها ومقاماتها الموسيقية واللحنية التى أمتعنا بها فى حلقات برنامجه «غواص فى بحر النغم» الذى كان نواة لبرنامجه التليفزيونى «سهرة شريعى».
تخرج عمار فى مدرسة المركز النموذجى لرعاية المكفوفين عام ١٩٦٤، اشتعلت المنافسة بينه وبين زملاء المركز للفوز بالجائزة الأولى، وقيل وقتها إن أوائل المكفوفين بالمرحلة الثانوية سيصافحون الرئيس عبد الناصر فى عيد العلم، ويروى عمار الشريعى ما جرى فى هذا العام الفارق فى حياته بقوله : «اقترب موسم الامتحانات وبدأت المذاكرة الليلية حتى الساعات الأولى من الصباح تخيلوا حالة طالب لم يأكل منذ سبع أو ثمانى ساعات يركز بكل طاقته فى المذاكرة وليس أمامه أمل فى لقمة يذوقها إلا بمعجزة من السماء، لا أستطيع التركيز فى أى شيء بدأت أشم طشة ملوخية، تحولت فجأة إلى تقلية كشرى، ثم تركزت وتكثفت فى رائحة بيض مقلى بالسمن البلدى، السخان والطاسة فى دولابى، لم يبقَ إلا البيض والزبد والخبز.. والمشكلة أننى لم أحاول قط أن أقلى البيض، توجهت لزميلنا مصطفى الشرقاوى فرد باستهانة الواثق قائلاً ما عليك إلا أن تقدح الزبد وتفقش البيض وتأكل بالهناء، اشتريت المكونات وعدت متشوقاً لاستكمال التجربة.. وكان علىّ أن انتظر خمس دقائق كى يقدح الزبد، فجأة دوی انفجار رهيب بصوت «تششششششش» ولم أكن أعرف أن للمزيد صوتاً يفوق تصورى لصوت التسونامى، سقط البيض بقشره فى الطاسة وانهارت كل أحلامى، صرخت بكل طاقتى «حريقة»، قامت المدرسة ولم تقعد، هلع وفزع وهرج ومرج وارتباك واضطراب، الكل فى كابوس.. المشرفات والطلبة والفراشون أفاقوا من هول المفاجأة ليدركوا كل شيء الذين يرون يضحكون والذين لا يرون يتهامسون، صاحت أبلة نور رئيسة الرعاية الداخلية قائلة : «كله يروح ينام.. اطمئنوا ليس ثمة شيء» ولم ينم أحد وظل الرفاق يتساءلون وأنا رأسى وألف سيف ألا أقول حبيبتى من تكون، جمعت الإدارة كل ما كان فى الدواليب ويا لهول ما كان بها من ثوم وبصل وبطاطس وبسكويت وسودانى ولب وترمس وملوحة فى دولابٍ واحد» !!
وما أكثر حكايات عمار الشريعى - رحمه الله - التى رواها بخفة ظل ينافس بها أعتى الظرفاء فى تاريخنا المعاصر.
«كنوز»

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







