هويدا عزت تكتب: ما بين الحزم والتجاوز.. المدير بين المطرقة والسندان

الدكتورة هويدا عزت
الدكتورة هويدا عزت


لطالما ترددت في طرح هذا الموضوع الشائك؛ إذ تنقسم الآراء فيه بين "ظالم" و"مظلوم"، كل حسب وجهة نظره.. لكن ما دفعني إلى الحديث عنه هو الجدل الذي أثاره مؤخرًا الموقف بين الفنان محمد صبحي وسائق سيارته، أثناء خروجه وسط زحام من معجبين ومصورين، لم يجد السائق في مكانه، فصدر عن الفنان تصرف حازم أثار ردود فعل متباينة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فهناك من انتقد، وهناك من أيد.

وإذا كان هذا المثال قد أثار جدلًا حول الحزم في موقف فردي، فإن بيئات العمل تشهد يوميًا مواقف مشابهة يُساء فيها فهم قرارات المديرين، فكثيرًا ما تُوجه أصابع الاتهام إلى المدير بوصفه الطرف الأقوى وصاحب السلطة، ويُصور الموظف على أنه الطرف الأضعف والمظلوم، هذه الصورة قد تكون صحيحة في بعض الحالات، لكنها ليست قاعدة مطلقة، فماذا لو كان المدير نفسه ضحية لـ "العدوان السلبي" الذي يمارسه بعض الموظفين، من خلال التمارض، أو التأخير، أو التكاسل المتعمد عن أداء المهام؟

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فعندما يتردد المدير في اتخاذ موقف حازم خوفًا من أن يُوصَف بـ"القسوة"، يجد نفسه في مأزق معقد، فهو محاصر بين مطرقة الإدارة العليا التي تطالب بالإنجاز والانضباط، وسندان فريق عمل قد يفسر أي إجراء انضباطي على أنه تسلط؛ فيقع المدير في حيرة دائمة: إن كان حازمًا اتهم بالتعسف، وإن صمت تراجع الأداء وانتشرت الفوضى.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يزداد تعقيدًا عندما يتحول هذا القلق إلى خوف شخصي من تهمة "استهداف موظف بعينه"، خاصة إذا كانت العلاقة بينهما متوترة مسبقًا، هذا الخوف يدفع بعض المديرين إلى تفضيل "التغاضي" بوصفه الحل الأسلم، حتى وإن كان على حساب جودة العمل أو انضباط فريق العمل.
وما يغذي هذا التردد هو نظرتنا القاصرة للمواقف؛ ففي كثير من الأحيان نحكم على ردة الفعل بدلًا من فهم سببها، نرى المدير غاضبًا، لكننا لا نرى تراكم الإهمال، ولا ضغط الوقت، ولا حجم الالتزامات التي يُحاسَب عليها، يصبح لوم المدير هو الخيار الأسهل لأنه "صاحب السلطة"، بينما نتجاهل تفاوت المسؤوليات؛ فالموظف يُسأل عن مهامه فقط، في حين يتحمل المدير مسؤولية الفريق، والنتائج، وسمعة المؤسسة، وربحيتها في آنٍ واحد.

ومن هنا، تشير دراسات السلوك التنظيمي الحديثة إلى أن المدير يعيش غالبًا ما يُعرف بـ"صراع الدور"، أي التناقض بين ما يُطلب منه فعليًا وما يتوقعه الآخرون منه، فهو مطالب بتحقيق نتائج قوية، والحفاظ على سمعة المؤسسة، ودعم موظفيه، وفي الوقت نفسه تجنب أي قرار قد يُفسر على أنه قسوة أو تشدد، هذا التناقض يجعل أي خطوة حازمة عرضة لسوء الفهم، ويحول الحزم من قرار بسيط إلى معادلة صعبة.

لذلك، فالحزم الحقيقي لا يعني التشدد ولا التراجع، بل هو قدرة واعية على الموازنة المستمرة بين توقعات متعارضة، واتخاذ القرار الصحيح بأقل خسائر ممكنة، دون التفريط في العدالة أو في جودة العمل.

ولتحقيق هذه المعادلة الصعبة، يلوح السؤال الجوهري: كيف يمكن للمدير أن يواجه هذا الصراع دون أن يفقد هيبته أو إنسانيته ؟

إن تحقيق هذا التوازن الدقيق يتطلب أولًا الاعتراف بأن بيئة العمل تبقى بحاجة إلى مزيج من الحزم المدروس والعدل الواضح؛ فالحل لا يكمن في الصمت السلبي ولا في الشدة المطلقة، بل في الإدارة الذكية التي تستخدم الحوار والتنبيهات التدريجية، والأهم من ذلك، تبني الثقة مع فريق العمل منذ البداية؛ فالإدارة ليست تسلطًا بالضرورة، لكنها أيضاً ليست ضعفًا؛ إنها ميزان حساس بين العدالة والإنسانية .

وبالتوازي مع تطبيق هذا التوازن المنهجي، يجب معالجة تحدٍ آخر شائع في ثقافة العمل، يتمثل في النظرة المغلوطة للعلاقة بين المدير وموظفيه، القائمة على فكرة الانقسام "المدير في جهة والموظفون في جهة أخرى"، والحقيقة أن المدير الجيد لا يحارب موظفيه، بل يحارب الفوضى لأجلهم جميعًا، وعندما يشدد على الانضباط، فهو لا يستهدف شخصًا بعينه، بل يضمن أن بيئة العمل تسير وفق قواعد تحمي الجميع؛ فالانضباط ليس عقابًا، بل إطار يضمن العدالة ويمنح كل فرد فرصة متساوية للظهور والإنجاز .

إن استيعاب هذه الحقائق المتشابكة يقودنا إلى استنتاج جوهري حول طبيعة الإدارة والعدالة في بيئة العمل؛ فليس كل مدير ظالمًا، ولا كل موظف ضحية، بيئة العمل الصحية تقوم على عدالة متوازنة وقيادة واعية تُجيد الجمع بين الحزم والتعاطف، لأن المدير لا يدير المهام وحدها، بل يتعامل مع البشر بكل ما يحملونه من مشاعر وضغوط، وهو مطالب يوميًا بموازنة انفعالاته، وإخفاء ضغوطه، واحتواء مشاعر الآخرين، حتى لو كان هو نفسه تحت ضغط لا يُحتمل .

وبناءً على ذلك، فمن الظلم اختزال المشهد في إدانة المدير دائمًا، كما أن تجاهل حقوق الموظف خطأ لا يقل جسامة؛ فالإدارة اليوم لم تعد قرارًا تنظيميًا فحسب، بل أصبحت اختبارًا أخلاقيًا ومسؤولية ثقيلة، وبيئات العمل السليمة تنشأ عندما يتحمل كل طرف مسؤوليته بعدل، وندرك أن القيادة ليست اتهامًا دائمًا ولا امتيازًا، بل دور معقد يتطلب وعيًا واحترافًا، ومحاسبة للمقصر أيًا كان موقعه، مع فهم حقيقي للضغوط التي يتحملها صانع القرار .

كاتبة المقال: باحثة في العلوم الإدارية وفلسفة الإدارة