للحضور الإنسانى فى حياتنا أشكال ودرجات، لكن يأسرنى دائمًا ذلك الحضور الذى تستشعر مدى رقته ورقيه بغياب أصحابه، فغالبًا ما يكون أصحاب ذلك الحضور الهادئ من أصحاب القلوب الطيبة الذين نعتاد وجودهم فى حياتنا دون صخب أو ضجيج، لكنهم يتركون وراءهم إحساسًا عميقًا بالفقد عندما تحين لحظات رحيلهم وترجلهم من قطار الحياة.
الزميل العزيز محمد عبدالواحد، كان -رحمه الله- واحدًا من هؤلاء الطيبين، أصحاب الحضور الراقى والرقيق، لن تجده، وهو واحد من الأساتذة الكبار فى كتيبة الإخراج الفنى لـ»الأخبار»، إلا مشغولًا بعمله، متفانيًا فى إنجازه، متواضعًا فى تعامله مع جميع الزملاء.
لا أتذكر طيلة سنوات معرفتى به فى صالة تحرير الجريدة، أننى سمعت صوته يعلو فى خلاف، أو يتجاوز فى حوار، أو يحتد فى نقاش، بل كان دائمًا نموذجًا فى الرقى الإنسانى حتى عند الاعتراض أو تحت وطأة ضغوط العمل اليومى.
أصر على الاستمرار فى عمله حتى قبل أن يخضع للجراحة الكبيرة التى أجريت له فى القلب بساعات معدودة، كانت غرفة تحرير «الأخبار» بيته الثانى، الذى يأتنس به.
عندما التقيته للمرة الأخيرة رأيته شارد الذهن، فأرجعت الأمر إلى انشغاله وقلقه من الجراحة الصعبة التى سيخضع لها بعد يوم أو بعض يوم، لكن يقينى أنه ربما كان يختزن من الحياة آخر نسائمها، ويودع المكان الذى قضى فى رحابه سنوات طويلة من حياته.
أتذكر حديثنا بشأن الجراحة التى كان مقبلًا عليها، وكيف كان يتعجل الإجراءات لإتمامها، وكنتُ أتعجبُ من ذلك الحرص والاستعجال، فالعجلة ليست من صفاته، لكن يبدو أنه كان على موعد مع القدر لا يستطيع أحد أن يخلفه.
أستعيد الآن مقالاته التى كان حريصًا على أن تتركز جلها حول الأخلاق، وضرورة ترسيخ القيم النبيلة فى حياتنا، ونقده البناء للكثير من الظواهر الأخلاقية السلبية فى حياتنا، فلم يكن هو نفسه وحسب مثالًا للالتزام الأخلاقى فى تعامله مع الزملاء فى محيط العمل، بل كان من الداعين إلى ذلك الالتزام، وأن يبقى رحيق الأخلاق فواحًا فى حياته ومن حوله، عملًا بالحديث الشريف «الدال على الخير كفاعله».
لا أعرف ماذا وجد الجراحون عندما فتحوا قلب الأستاذ محمد عبدالواحد فى جراحته الأخيرة، لكن المؤكد أنهم وجدوا رصيدًا هائلًا من الطيبة ستبقى حتى بعد رحيله، وستجعل ذكراه حية فى قلوبنا إلى أن نلتقى فى دار الحق.
وداعًا محمد عبدالواحد.. صاحب القلب الطيب.. والخلق الرفيع.

دينا الصاوي تكتب: "ورد على فل وياسمين".. حين تنتصر البساطة على الضجيج
المنتخب والمواجهة البلجيكية
«برشامة» وحراس الفضيلة!








