ونحن على أعتاب شهر رمضان المبارك نأمل من المؤلفين والمخرجين أن يتكبدوا عناء التعرف على تفاصيل وطبيعة المجتمع الصعيدي جيداً ، ولو بزيارة واحدة لأي محافظة من محافظاته قبل صناعة دراما مشوهة لا تمت إلى أهل الصعيد وعاداتهم وتقاليدهم ومورثهم الثقافي والاجتماعي بصلة، سوى أنها دراما من وحي خيال مؤلفين لم يهتمو بمعايشة ذلك الواقع ولو من باب امتلاك خيوط السرد القصصي بعيداً عن العبث الدرامي الذي يفرض نفسه علينا سنوياً دون رقيب أو حسيب .
الصعيد يا سادة له أعراف وعادات وتقاليد أشبه بالدساتير والقوانين الملزمة لجميع عائلاته سواء كبيرة أو صغيرة ، غنية اوفقيرة، فليس من المعقول أن نصدر للعالم أفكاراً مغلوطة على أنها واقع حياتي لأبناء الصعيد كفكرة البطش والقتل العشوائي من جانب العائلات الكبيرة للصغيرة، فالثأر لايفرق بين غني أوفقير، فضلا عن تعزيز فكرة الاستهانة بأملاك الغير والسطو عليها جبراً أو شرائها بثمن بخس وفي حال الرفض ينكل بصاحبها حتى يجبر على التنازل عنها، فكل هذه المشاهد المكررة لا علاقة للصعيد بها وهي ليست واقعا بل خيال مريض لمؤلف بائس ومخرج أضعف من أن يجبر ممثلاً على الالتزام بمتطلبات الدور.
فنجد ممثلات بأزياء خليجية وأخرى أوروبية وهي تؤدي دور صعيدية بسيطة وكل ذلك من باب الظهور بأجمل مظهر وليست بأجمل دور، فبعيدا عن العادات والتقاليد يمكن للاكسسوارات والملابس أن تنسف أي عمل، خصوصاً وأن القائمين عليها لا يعلمون تفاصيلها وما يتناسب مع أي دور وأي فصل من فصول العام فتجد ممثلا يرتدي ملابس شتوية وآخر يرتدي ملابس صيفية في نفس المشهد .
الأدهى من ذلك ما يتم ترويجه في تلك الدراما المشوهه عن تنامي تجارة الآثار والمخدرات في الصعيد باتفاق مسبق بين العائلات الكبيرة بعيداً عن أعين المنظومة الأمنية في الدولة التي عادة ما يتم التعامل معها في تلك الأعمال كضيف شرف .
الأمثلة كثيرة على ذلك سواء في السينما أو الدراما وأكبر دليل على ذلك ما تناوله فيلم الجزيرة الشهير للمؤلف محمد دياب، والمخرج شريف عرفة، وبطولة الفنانين أحمد السقا وهند صبري وخالد الصاوي والذي يتضمن العديد من المغالطات التي تتعلق بالمنظومة المجتمعية الراسخة التي لا يمكن اختراقها بأي حال من الأحوال كقتل النساء أخذاً بالثأر أو قتل الضيوف كما حدث في مشهد سرادق العزاء أو العشق المستحيل الذي يدفع امرأة للتغاضي عن قتل أهلها بما فيهم أخيها أمام أعينها دون أن تفكر في التخطيط للأخذ بالثأر بل على العكس تحرص على حماية ابن قاتل أخيها ، فأي حب هذا الذي يتنافى مع طبيعة البشر .
الجميع يعلم أن الأخطاء التي وردت في فيلم الجزيرة تكررت في أعمال درامية كثيرة متلاحقة ، لذلك نطالب بأن يتم إنتاج أعمال تحترم عقلية المشاهد بعيداً عن تزييف الحقائق واللعب في الثوابت المجتمعية التي باتت تعاني من حبكات درامية مصطنعة تحولت إلى ظواهر مجتمعية دخيلة بفعل صناع تلك الدراما المشوهة .
وفي إطار التجاوزات التي تحدث عنها الرئيس عبد الفتاح السيسي في الأعمال الرمضانية أتمنى أن نرى أعمالاً تخدم القضايا المجتمعية والوطنية والتي بدورها تسهم في التنشيط السياحي والتسويق لمختلف قطاعات الدولة الاقتصادية والثقافية بعيداً عن التشويه الذي اعتدنا عليه، خصوصاً وأن السيد الرئيس قرر أن أي عمل درامي في رمضان لا يمكن عرضه على الشاشة إلا بعد اعتماده من لجنة الدراما، شريطة التزامه بالمعايير التي تحافظ على قيم المجتمع، ويأتي في مقدمتها منع الترويج للمخدرات أو تصويرها كأمر طبيعي، ووقف تمجيد الخيانة الزوجية أو تقديمها كحل، إلى جانب احترام جميع مؤسسات الدولة، وخفض مشاهد البلطجة والعنف التي أفسدت الذوق العام، فضلا عن إحياء العادات والتقاليد المصرية الأصيلة، وكذلك عدم إهانة المرأة ودعم دورها الحقيقي، والتركيز على الأسرة المصرية وتماسكها ، والالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية في كل محتوى يُعرض.

نبيل فهمي.. المهمة الأصعب
«السبوبة»
مظاهر مجتمعية جديدة








