عالمة المصريات كارا كوني: نفرتيتي ليست مصرية!| حوار

كارا كوني
كارا كوني


ما وراء المقابر الملكية في وادي الملوك تختبئ أسرار مذهلة عن السلطة والنهب والسياسة في مصر القديمة. في قلب مصر القديمة، وبين جدران المقابر الملكية، تختبئ قصة لم تُروَ عن انهيار العصر البرونزي.

◄ رسائل العمارنة تكشف تبادل الأميرات لتعزيز التحالفات

◄ كهنة آمون كانوا أقوى من الملك نفسه!

في هذا الحوار الحصري مع «آخر ساعة» تكشف الدكتورة كارا كوني أستاذة فنون وعمارة مصر القديمة بجامعة UCL الأمريكية أسرار لحظة تاريخية مثيرة.. كيف نهبت النخب المقابر الملكية المنظمة، وأعيد استخدام التوابيت والذهب لدعم السلطة، وكيف لعب كهنة آمون دوراً يفوق دور الفرعون نفسه. كما تتطرق إلى أصل نفرتيتي الأجنبي ودورها في شبكة التحالفات الدبلوماسية، لتقدم للقارئ صورة كاملة عن مصر وهى تتصارع مع أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية غير مسبوقة..

◄ بداية كيف ترين مصر في لحظة انهيار العصر البرونزي؟

ـ انهيار العصر البرونزى لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل عملية طويلة بدأت في نهاية الأسرة الثامنة عشرة. نرى أول ملامح الاضطراب فى رسائل العمارنة، عندما بدأ النظام الدولى بين مصر وبابل وميتانى والحيثيين ينهار. خلال عصر الرعامسة، وخاصة فى الأسرة العشرين، تتسارع الأحداث: صراعات داخلية، تمردات، ضعف اقتصادي، ثم أزمة سياسية طاحنة. مصر صمدت مقارنة بجيرانها، لكنها خرجت من تلك اللحظة منهكة تماماً، وبدون القوة التى عرفناها في الدولة الحديثة.

◄ وكيف بدا من منظور مصري؟

ـ كثيرون تعرفوا على الموضوع مؤخراً عبر كتاب إريك كلاين 1177 قبل الميلاد: عام انهيار الحضارة. يظن غالباً أن الانهيار كان لحظة واحدة كارثية، لكنه في الحقيقة تطور طويل استمر لقرون.

وأضافت: من خلال عملى على إعادة استخدام التوابيت، وغارات شعوب البحر، وعصر العمارنة، أرى أن بذور الانهيار زرعت فى أواخر الأسرة الثامنة عشرة. تظهر شعوب البحر فى رسائل العمارنة كمرتزقة، كما تظهر مجموعة تسمى الخابيرو التي كانت تسقط ممالك بأكملها.

يزداد التفكك فى عصر الرعامسة حتى نصل إلى حرب أهلية فى أواخر الأسرة العشرين وانهيار المؤسسات مثل سلطة المعبد والملكية. الانهيار بدأ تدريجياً حوالي 1300 ق.م واستمر حتى 1000 ق.م، وهو أطول مما يعترف به أغلب المؤرخين.

◄ وهل يمكن قراءة نصوص الكتاب المقدس في ضوء هذا الانهيار؟

ـ رغم أن بعض أجزاء الكتاب المقدس تحوى إشارات تاريخية دقيقة مثل ظهور طهارقا وحملات الآشوريين، إلا أن رواية الخروج ممتزجة بالأسطورة، ولهذا يخشى الأكاديميون التعامل معها كمصدر تاريخي.

لكن بالنسبة لى لا أرى أى مشكلة فى قراءة سفر الخروج في سياق انهيار العصر البرونزي. كل شيء هناك: «فرعون يتصرف بحماقة - تراجع قوة مصر القديمة - اضطراب سياسى واقتصادى هائل» كما يذكر السفر «مدينتى بي-توم» و«بر-رعمسيس الرعامستيين»، وهما مركزان للسلطة فى الأسرتين 19 و20. لكن السؤال «من هو فرعون الخروج؟» سؤال خاطئ؛ إنه ببساطة الفرعون، أى ملك من عصر الانهيار: سيتى الأول، رمسيس الثاني، مرنبتاح أو رمسيس الثالث.

◄ وهل يمكن أن يرتبط سفر الخروج بهذه اللحظة أيضًا؟

ـ نعم، لكن الكثير من المؤرخين يتجنبون وضع قصة الخروج فى الإطار الصحيح. الخروج لا يعكس لحظة قوة، بل لحظة انهيار. الفرعون، أياً كان، لم يكن بطلاً شرساً كما فى الأساطير، بل رمز نظام منهك يفقد قبضته. منطقياً، وقوع قصة الخروج فى نهاية الدولة الحديثة ينسجم تماماً مع حالة الاضطراب والانهيار السياسى التى نقرأها فى الوثائق.

◄ رسائل العمارنة دائماً تذكر في هذا السياق. ماذا تكشف لنا عن تلك الفترة؟

ـ رسائل العمارنة تقدم صورة مذهلة عن شبكة معقدة من التحالفات، التزاوج السياسي، الهدايا، والتنافس بين الممالك الكبرى. لكنها أيضاً تكشف بداية انهيار هذا النظام. فى رسائل الملوك التابعين لمصر، نسمع نبرة تذمر واضحة، لم يعودوا راغبين فى دفع الجزية أو الالتزام المطلق بمصر. المراسلات مع بابل وميتانى تظهر أيضاً هشاشة العلاقات. النظام كله بدأ يتآكل. وفى هذا السياق أقترح فى كتابى القادم أن نفرتيتى ربما كانت أميرة أجنبية جاءت إلى البلاط عبر زواج سياسى ضمن هذا النظام الدولى المتداعي.

◄ هل تعتقدين أن نفرتيتى كانت أميرة أجنبية جاءت عبر زواج سياسي؟

ـ نعم، وبقوة. هذا ما أعمل عليه فى كتابى القادم، لدىّ قناعة متزايدة بأن نفرتيتى لم تكن مصرية الأصل، بل أميرة أجنبية دخلت مصر عبر ترتيبات الزواج الدبلوماسى التى كانت شائعة فى نظام الشرق الأدنى خلال أواخر العصر البرونزي.

وقالت: لدينا إشارات عديدة: «لا نعرف والديها - اسمها غير مصرى بوضوح - ظهورها المفاجئ فى قلب السلطة - رسائل العمارنة التى تتحدث عن تبادل الأميرات لتعزيز التحالفات، هذه الشبكة الدبلوماسية كانت تنهار، وكانت نفرتيتى جزءاً من هذه اللحظة»، وهذا من وجهة نظرى ليس صدفة.

◄ ماذا عن برديات سرقة القبور؟ هل تقدم أدلة على الانهيار؟

ـ هذه البرديات ليست وثيقة واحدة، بل عشرات الوثائق التى تسجل محاكمات سرقة المقابر فى الأسرتين 20 و21. وهى مذهلة لأنها تكشف أن اللصوص الحقيقيين لم يكونوا فقراء، بل نخبا قوية مرتبطة بكهنة آمون.. التحقيقات تكشف أن المتهمين كانوا حرفيين، حراساً، مشرفين، جميعهم تابعون للمعبد، وكانوا ينهبون المقابر الملكية فى وادى الملوك بشكل منظم للحصول على الذهب الذى أصبح نادراً مع توقف التجارة الدولية.. لدينا أدلة مادية أن مومياوات مثل رمسيس الثاني، وأمنحتب الثالث، وتحتمس الثالث جردت من الذهب وأعيد تكفينها فى مقابر جماعية. لدينا برديات مثل بردية أبوت، تكشف اعترافات رسمية ومحاكمات تشير بوضوح إلى تورط شخصيات ذات نفوذ. كان النهب ممنهجاً ومرتبطاً بالأزمة الاقتصادية والسياسية. كان العالم ينهار، والنخب اختارت أن تحفظ مصالحها أولاً.

◄ هل توجد أدلة أثرية واضحة على هذه السرقات؟

ـ نعم. عندما ندرس «خبيئة المومياوات الملكية» فى الدير البحري، نجد أن ملوكاً مثل رمسيس الثاني، وأمنحتب الثالث، وتحتمس الثالث، جرى نقلهم بعد أن نهبت قبورهم.. الثياب الذهبية اختفت، التحف اختفت، حتى الصناديق الأصلية انتزعت منها قطع ثمينة. كل هذا لا يفعله لصوص عابرون، بل أعمال مجموعات منظمة.

◄ وماذا عن مقابر تانيس؟ كثيرون يرونها الدليل الأهم لفهم الأزمة؟!

ـ صحيح. مقابر ملوك الأسرة 21 فى تانيس تلعب دوراً حاسماً فى فهم تلك الفترة. لقد أعاد هؤلاء الملوك استخدام توابيت ملكية من عصر الرعامسة. خذ مثال تابوت مرنبتاح الذى أعيد نحته ليصبح تابوتاً لابسوسينس الأول. المواد كانت شحيحة: لا ذهب جديد، لا خشب لبناني، لا تجارة نشطة. كل شيء كان يعاد تدويره. رجال الدين الأقوياء أنفسهم دفنوا فى توابيت مستعملة. هذا ينطبق على الذهب أيضًا، وهناك احتمال قوى أن ذهب تانيس كله تقريباً مأخوذ من وادى الملوك.

◄ هل تتوقعون أن تؤكد التكنولوجيا الحديثة هذه الفرضيات؟

ـ بالتأكيد، التحليلات الكيميائية للذهب وتقنيات تتبع مصادر المعادن ستظهر فى السنوات القادمة ما إذا كان الذهب فى تانيس مأخوذاً من مقابر الدولة الحديثة. أنا شبه متأكدة من ذلك، لكن الأدلة العلمية ستضيف اليقين.

◄ تحدثتِ فى أكثر من مرة عن دور كهنة آمون. هل كانوا فعلاً قوة سياسية موازية؟

- نعم، فى أواخر الدولة الحديثة أصبح كهنة آمون أقوى من البيت الملكى نفسه، سيطروا على الاقتصاد، على الأراضي، على شبكة الكهنة، وعلى التجارة المحلية. كانوا دولة داخل الدولة، ولذلك عندما وقع الانهيار، كانوا الطرف الأكثر قدرة على استغلاله. نهب المقابر جزء من هذه اللعبة المعقدة بين السلطة الملكية وسلطة الكهنة.

◄ أخيرًا، هل عملتِ بالحفائر فى مصر؟ كثيرون يسألون هذا.

ـ قالت ضاحكة: لا، لم أجرِ حفائر فى مصر. عملى يتركز على دراسة التوابيت والمواد الجنائزية المنتشرة فى متاحف العالم، وخاصة ما يتعلق بإعادة استخدامها. لست عالمة حفائر، بل عالمة مواد جنائزية وسياق اجتماعى وسياسي. وهذا المجال يفتح أبواباً كبيرة لفهم التاريخ من منظور آخر.