في ذاكرة المدن العتيقة، تبقى بعض الأسماء مشعّة كقناديل لا تنطفئ… لا لأنها امتلكت المال أو الجاه، بل لأنها امتلكت ما هو أندر: نبل الفطرة، وشرف اليد النظيفة، وقلبًا لا يعرف إلا طريق الخير. ومن بين هذه الأسماء اللامعة، يقف الدكتور سيد جلال كواحد من أعظم النماذج التي أنجبتها مصر الشعبية، وصعيدها الصبور، وتاريخها الإنساني المفعم بالحكايات التي تُقرأ فتُدهِش… وتُروى فتُلهم.
ولد سيد جلال سنة 1901 في قرية بني عديات بمحافظة أسيوط، طفلًا فقد الأم بعد أشهر قليلة من ميلاده، ثم فقد الأب وهو في الخامسة. لو كانت الحياة كتابًا يكتب بداياته بمداد الحزن، لكان سيد جلال أول سطر فيه… لكنه لم يسمح للبداية أن تُحدد النهاية. كفله خاله الذي أثقلته أعباء عشرة أبناء، فأدخل الصغير “الكتاب” ليحفظ القرآن، ويصنع بداخله بذرة النور التي سترافقه طوال العمر.
غير أنه وعلى صغر سنه أدرك أن الكرامة لا تُحب الاتكاء، وأن الحمل لا يجب أن يُلقى على كتفٍ مُنهك. وهكذا قرر مغادرة القرية، وبدأ رحلة لم يكن يدري أنها ستجعله أسطورة مصرية تُروى في كل مجلس.
من فرن بالقاهرة إلى موانئ العالم
وصل الفتى اليتيم إلى القاهرة طفلًا يحمل في جعبته شجاعته فقط… عمل في فرن، يوزع الخبز على البيوت، ثم حمل على كتفيه أحمالًا أشد كِبرًا حين عمل شيّالًا في محطة مصر.
لكن هذا الشاب كان يملك شيئًا لا يُشترى: نفسًا تتعلم، وعقلًا لا يهدأ.
سافر إلى بورسعيد فعمل ساعيًا في مكتب للنقل البحري يملكه يوناني… وهناك سيبدأ التحول الكبير. فالاحتكاك اليومي بالتجار الأجانب علمه اليونانية والفرنسية والإيطالية، قراءة وكتابة وتحدثًا، ثم تعلم الرومانية والأرمينية على يد رجل يوناني وآخر شامي.
وبعقل يتفتح بسرعة الضوء، التهم أسرار التجارة والملاحة والتصدير والاستيراد، حتى أضحى في الثامنة عشرة من عمره شابًا ذو خبرة تُنافس أصحاب المكاتب أنفسهم.
ولما وثق فيه صاحب المكتب، بدأ إضافة نشاطات جديدة بعد انتقال المكتب للقاهرة… وتلك كانت اللحظة التي اطّمأن فيها سيد جلال إلى قدرته على الاعتماد على نفسه. فاستأذن الرجل اليوناني ليبدأ تجارة مستقلة، على أن يستمر المكتب في تزويده بشحنات القمح والدقيق. وافق الرجل… ثم بدأت عجلة القدَر تدور لصالحه.
تاجر غلال… بقلب فقيه وبصمة إنسان
ما إن بدأ سيد جلال تجارته حتى اتسعت سريعًا، وأصبح اسمًا لامعًا في سوق روض الفرج، يتعامل مع كبرى الشركات في القاهرة والإسكندرية، ويمتلك أكبر شونة غلال في منطقة الساحل.
لكن المدهش ليس أنه أصبح من كبار التجار… بل أنه لم يتغير.
اختار الربح القليل حتى لا يرهق الفقراء، وبقي وفيًّا للأحياء الشعبية التي نشأ فيها، لا يتعالى، ولا يبدّل طباعه مهما ارتفع اسمه.
ومن وفائه ولد خيرٌ كثير فأنشأ مستشفى سيد جلال الخيري في باب الشعرية، لعلاج الفقراء دون تمييز، وهي المستشفى التي لا تزال اليوم تحت مظلة جامعة الأزهر.
نائب الشعب… لا نائب المقاعد
من 1934 حتى 1984، ظل سيد جلال نائبًا عن باب الشعرية خمسين عامًا كاملة. خمسة عقود لم يكن فيها سياسيًا مُزيَّن الشعارات، بل خادمًا حقيقيًا للناس. سعى لإصدار قوانين تُعيد للدولة هيبتها وللعدالة حضورها: قانون "من أين لك هذا" لمكافحة الفساد، قانون منع الأجانب من تملك الأراضي الزراعية وأراضي البناء.
وكانت جرأته سببًا في وضعه –وهو في السابعة والستين– داخل زنزانة بالسجن الحربي لمدة 14 يومًا عام 1966 دون تحقيق أو سؤال، فقط لأنه سأل في البرلمان: لماذا لم يدفع أحد كبار الوزراء ثمن الأثاث الذي حصل عليه من إحدى شركات القطاع العام؟
لم يكن سيد جلال تاجرًا فقط، بل كان منقذًا للصناعة الوطنية. كان يشتري الشركات المتعثرة التي يمتلكها الأجانب، يعيد تشغيلها، ويسدد الضرائب المتأخرة ليحمي العمال من البطالة. كما كان يكسر الاحتكار بشراء الشركات التي تحصر السلع في أيدي تجار معدودين، ويوسّع إنتاجها ليمنح الناس أسعارًا عادلة.
وفي الستينيات كان أول من يقرر صرف أرباح للعمال قبل أن يصدر القانون بذلك. وحين احترق أحد مصانعه في شبرا الخيمة، بشّره مدير أعماله بأن هذا سيمنع تأميم الشركة… لكن سيد جلال رد بخطاب لمصطفى أمين يطلب فيه أن يُنشر: “سأعيد بناء المصنع على نفقتي الخاصة… حتى لا يُضار العمال.”
فكتب مصطفى أمين مقاله الشهير: "أعمال سيد جلال لا تحرقها النار".
حرب.. وفقر.. وتحضر اجتماعي
لم يكتفِ بالمصانع… فقد تبرع سنويًا للمجهود الحربي بعد نكسة 1967. وفي الحرب العالمية الثانية اشترى أرضًا بور وزرعها بالفواكه، ثم باع إنتاجها بأثمان معتدلة للأحياء الشعبية.
بل وابتكر مشروعًا فريدًا لتقوية غذاء الفقراء: تشتري الحكومة السلع بسعر السوق، وتبيعها للناس بسعر أقل، ويتكفل الأغنياء بدفع فارق السعر في صورة تبرعات.
أما معركته الكبرى، فكانت ضد البغاء . ست سنوات من المقاومة انتهت بحيلة بارعة حين دعا وزير الشؤون الاجتماعية لافتتاح مشروع خيري، ثم أخذه إلى شارع كلوت بك حيث هاجمته الفتيات وظنن أنه من طالبي المتعة. مزّقن ثيابه وسرقن محفظته… وبعد أيام أصدرت الحكومة قرارًا تاريخيًا يُجرّم البغاء تمامًا عام 1947.
رجل بين الكبار… وقلب بين الفقراء
كان سيد جلال صديقًا مقربًا لكبار الأدباء والصحفيين، ومنهم الشيخ محمد متولي الشعراوي والرئيس أنور السادات. لكنه على اتساع علاقاته… ظل كما هو: رجلًا يضع الفقراء في صدر قلبه، ويضع الوطن على كتفه.
توفى عام 1987، لكنه ترك خلفه سيرة لا تذبل، ومشفى يحمل اسمه، وقوانين صاغها بعقله وعرقه، وحكاية تُروى كلما أراد الناس أن يتذكروا أن النبل يمكن أن يبدأ من يتيم بلا سند… وينتهي إلى قدوة بلا مثيل.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







