أما قبل

حروب الشاشات الخفية

داليا جمال
داليا جمال


لسنا أمام خلافات عفوية بين شعوب شقيقة، بل أمام مخطط وقاحة رقمى يطل برأسه كل فترة بوجه جديد. فجأة تظهر محاولات للوقيعة بين الشعبين المصرى والسعودى، لا يُعرف من أشعل شرارتها ولا من يدير نيرانها. ثم تنتقل العدوى إلى بث فتنة بين أهل مصر وضيوفها من الشعب السورى الشقيق، على ألسنة أفراد لا يُمثلون أى قيمة ولا أى رأى حقيقى، سوى أنهم أدوات للضجيج الرخيص. ثم تمتد الدوائر المسمومة نحو تونس: مرة بخلاف مختلق حول طلاق فنان مصرى من زوجته التونسية وكأن أزمة زواج فردى تصلح لإشعال أزمة بين شعبين!

ويبلغ العبث منتهاه حين يصل الاستفزاز إلى حد إنكار التاريخ نفسه، بخروج أصوات من هنا وهناك تزعم أن المصريين لم يبنوا الأهرامات، وأن أبناء دول أخرى هم «البناؤون الحقيقيون للحضارة»، فى مشهد عبثى يتجاهل آلاف السنين من النقوش والمسلات والمعابد التى تقف على أرض مصر شاهدة لا تقبل الجدل، وكأن الأهرامات هبطت بالمصادفة على هضبة الجيزة!

كل تلك الوقائع ليست سوى سلسلة محاولات مشبوهة لصناعة جدالات وهمية وبث الكراهية بين الشعوب العربية، عبر قضايا تافهة تُضخَّم بفعل منصات التواصل، وتتحول إلى معارك مفتعلة يقودها حساب مغمور أو فيديو مفبرك أو نقاش مسموم.

ومهما تغيَّرت العناوين، يبقى الهدف واحدًا: شق الصف العربى، وتفكيك الروابط بين الأشقاء، وتحويل القضايا الكبرى إلى مهاترات استنزافية. وقد انكشف اليوم الستار عن أن كثيرًا من هذه الحملات ليست بريئة ولا عفوية، بل تقف خلفها غرف منظمة تسعى لإدارة الفوضى الرقمية والتحكم فى المزاج العام.
وزاد المشهد خطورة مع ما أُثير مؤخرًا عن تصريحات وتسريبات متداولة نُسبت إلى إيلون ماسك بشأن تتبّع شبكات الحسابات الوهمية والمنسّقة على بعض المنصات الكبرى، والإشارة إلى أن مركز تجمعها وإدارتها يعود إلى نقطة واحدة داخل دولة معادية تُدير حملات رقمية عابرة للحدود، تستهدف ضرب الاستقرار النفسى والاجتماعى لشعوب المنطقة وإشعال خلافات مصطنعة بينها. ورغم الجدل الواسع حول حجم ما كُشف ودقته، إلا أن المؤكد أن وجود تلك الشبكات المنظمة لم يعد محل شك، وأن ما نراه من موجات فجائية للوقيعة ليس نتاج صدفة، بل ثمرة حروب ناعمة تُدار بعقل بارد واستراتيجية خبيثة.